بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٣ - هل يجوز تقديم الإحرام للحج على يوم التروية؟
بالوضع أو بالإطلاق وأنه إنما يحمل على الاستحباب مع قيام القرينة على الترخيص في ترك متعلقه، يمكن أن يقال بدواً: إن الأمر بالإحرام في يوم التروية يدل بالمطابقة على ثبوت الخطاب بالإحرام في هذا اليوم، ويدل بالالتزام على عدم ثبوته في ما قبله ولا في ما بعده مطلقاً أو في الجملة [١] ، ولكن الترخيص في الإحرام في ليلة عرفة وما بعدها يدل بالمطابقة على ثبوت الخطاب بالإحرام في ما بعد يوم التروية، وبالالتزام على الترخيص في ترك الإحرام يوم التروية، فبملاحظة المدلول الالتزامي للترخيص المذكور لا بد من حمل الأمر بالإحرام يوم التروية على الاستحباب، فلا يبقى دليل على عدم الأمر بالإحرام قبل يوم التروية، ويرجع إلى إطلاق قوله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) ونحو ذلك.
ولكن يمكن أن يناقش في هذا البيان بأن مورد الحمل على الاستحباب غير ما نحن فيه، وتوضيحه: أنه إذا كان إكرام زيد واجباً، وورد في دليل: (أكرم زيداً يوم الجمعة)، ثم قامت قرينة على عدم وجوب إكرامه في هذا اليوم، صح القول عندئذٍ بأن مقتضى هذه القرينة هو حمل الأمر المذكور على الاستحباب، فحينئذٍ يرجع إلى إطلاق وجوب إكرام زيد المقتضي لجواز الاجتزاء بإكرامه في أي يوم قبل الجمعة أو بعدها.
وأما إذا ورد في دليل: (أكرم زيداً يوم الجمعة) ثم ورد في دليل آخر: (يجوز إكرام زيد يوم السبت)، فهنا يدور الأمر بين رفع اليد عن ظهور الأمر بإكرام زيد يوم الجمعة في الوجوب التعييني وحمله على أنه أمر بأحد أفراد الواجب التخييري والفرد الآخر هو إكرام زيد في يوم السبت، وبين رفع اليد عن ظهوره في الوجوب وحمله على الاستحباب.
ويمكن ترجيح الأول حتى بناءً على أن ظهور الأمر في الوجوب إنما هو بالإطلاق لا الوضع، فإن رفع اليد عن إطلاقه المقتضي للوجوب التعييني أخف مؤونة عند العرف من رفع اليد عن إطلاقه المقتضي لأصل الوجوب، إذ إنه إنما ترفع اليد عن الظهور من جهة القرينة المنفصلة بحسب ما تقتضيه الضرورة،
[١] أي حسب استخدام أداة الشرط أو القيد في النص الدال على ذلك.