بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٨٠ - بحوث قاعدة التقية
من العناوين الثانوية الموجبة لزوال الحرمة عن القول المحرّم الذي لا مساس له بحق آخر من حقوق الله ولا بشيء من حقوق الناس.
وعلى ذلك فلا فرق بين السب والتبري من هذه الجهة، وسيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ الكلام حول الفرق بينهما من جهة أخرى، وهي أنه هل يجب التبري كما يجب السب في حال التقية إذا خشي على حياته أو أنه يجوز تركه وإن كان يؤدي إلى القتل.
ولكن يبقى هنا البحث عن أمر، وهو أنه ما هو وجه تفريق الإمام أمير المؤمنين ٧ بين السب والتبري بالترخيص في الأول والنهي عن الثاني كما في جملة من الروايات، أو السكوت عن حكمه كما في جملة أخرى منها؟
وهنا وجوه ..
الوجه الأول: ما ذكره ابن أبي الحديد [١] قائلاً: (وإنما استفحش ٧ البراءة، لأن هذه اللفظة ما وردت في القرآن العزيز إلا عن المشركين، ألا ترى إلى قوله تعالى: (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) .. فقد صارت بحسب العرف الشرعي مطلقة على المشركين خاصة، فاذن يحمل هذا النهى على ترجيح تحريم لفظ البراءة على لفظ السب، وإن كان حكمهما واحداً. ألا ترى أن إلقاء المصحف في القذر أفحش من إلقاء المصحف في دن الشراب، وإن كانا جميعاً محرمين، وكان حكمهما واحداً).
أقول: إن كان مقصوده أن لفظ البراءة يستخدم لإفادة الابتعاد عما فيه نقص والتفصي عما تكره مجاورته ـ كما قال الراغب [٢] ـ فهو صحيح [٣] ـ وأما استخدامه في قوله تعالى: (أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ) فهو إما من باب المشاكلة، أو بلحاظ اعتقاد المخاطبين ـ ولكنه لا يقتضي التفريق بين السب والتبري، فإن السب لا يقل عن التبري دلالة على ذلك.
[١] شرح نهج البلاغة ج:٤ ص:١١٣.
[٢] مفردات ألفاظ القرآن ص:١٢١.
[٣] ورد في الإرشاد (ج:١ ص:٤٢): (عن رسول الله ٦ أن لله تعالى قضيباً من ياقوت أحمر لا يناله إلا نحن وشيعتنا، وسائر الناس منه بريئون)، ولكن هذا الخبر ضعيف لا يعول عليه.