بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٥٤ - بحوث قاعدة التقية
الأحكام التي يحرز أن الشارع المقدس قد أولاها من الأهمية ما يهون دون امتثالها تحمل الضرر، إما مطلقاً أو بدرجة معينة.
مثلاً: صيانة الدين الحنيف وحفظ أرواح المؤمنين ونواميسهم إذا توقف على إنفاق شخص أو أشخاص لم يمكن نفي وجوب ذلك استناداً إلى حديث لا ضرر.
وأيضاً لما كان قوله ٦ : «لا ضرر» متعقباً بقوله: «لا ضرار» الدال على حرمة الإضرار بالغير ـ على ما هو الصحيح ـ لم يصلح لنفي الحكم الذي يكون نفيه في معنى الترخيص في الإضرار بالغير، لعدم انعقاد الظهور له في الإطلاق من هذه الجهة، فمتى كان تحريم فعل ضررياً على شخص والترخيص فيه ضررياً على شخص آخر لا يتجه التمسك بحديث لا ضرر لنفي حرمته.
وبذلك يتضح أنه لا يمكن البناء على جواز ارتكاب الحرام تقية في مطلق مواردها استناداً إلى حديث لا ضرر، بل في خصوص ما إذا لم يكن نفي الضرر المتقى منه في معنى الترخيص في الإضرار بالغير، ولم يكن تحمله أهون عند الشارع المقدس من ارتكاب الحرام.
ولكن يمكن الجواب عن هذه المناقشة بأن محل الكلام في المقام هو في حدود الضرر الذي تجوز التقية لدفعه وأنه هل يشمل الأضرار اليسيرة أيضاً أو لا، وأما اشتراط جواز التقية بأن لا يكون المتقى به من عظائم المحرمات أو لا يكون نفي حرمته في معنى الترخيص في الإضرار بالغير فهو أمر آخر يتعلق بالبحث القادم.
وبذلك يظهر الفرق بين دليل نفي الضرر الذي يفي بجواز التقية لدفع كل ضرر يتوجه إلى المكلف وإن كان يسيراً وبين دليل حلية المضطر إليه ودليل رفع الإكراه اللذين لا يفيان بدفع الضرر اليسير، لعدم صدق الاضطرار في ارتكاب الحرام ـ أي حرام كان ـ أو الإكراه عليه لدفع الضرر اليسير كغرامة دينار واحد أو سماع كلمة خشنة خفيفة أو لطمة غير مؤلمة ونحو ذلك.
والحاصل: أن حديث نفي الضرر يفي بإثبات الوجه الثاني المبحوث عنه.