بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٦٦ - ١ ـ السيرة العملية
هذا كله مما لا ينبغي الريب فيه.
ولكن الملاحظ أن المستدلين بالسيرة جعلوا خلو الأحاديث الواردة في الحج عن أي ذكر للاختلاف في الوقوفين بين الأئمة : وشيعتهم وبين ما كان يجري عليه غالب المسلمين دليلاً على متابعتهم للموقف الرسمي، ووضوح الحكم في ذلك لدى الشيعة بدرجة لم يكثر السؤال والجواب عنه لكي يتمثل ولو في بعض الروايات الواصلة إلينا.
ومبنى هذا الاستدلال أمران ..
الأمر الأول: أن الاختلاف بين الموقف الرسمي الذي كان يعلنه أمير الحاج ويمضي عليه عامة الحجاج وبين الموقف الشرعي ـ أي ما تقتضيه الضوابط الشرعية لثبوت الهلال عند أئمة أهل البيت : وأتباعهم ـ بتقدم الموقف الرسمي على الموقف الشرعي كان حالة سائدة متعارفة في عصرهم : أي أنه كان يحصل في كثير من السنين بل في غالبها كما هو الحال في العصر الأخير، حيث يلاحظ أنه لا يحصل التوافق في كل عشر سنوات إلا مرة أو مرتين على أبعد تقدير.
الأمر الثاني: أن من كان بيدهم أمر الحج من أمير الحاج وأعوانه كانوا يتحكمون بوقوف الحجاج في عرفات والمزدلفة، ولم يكن الأمر متروكاً للحجاج ليقف من شاء منهم في الموقف الرسمي ومن شاء قبل ذلك أو بعده، من جهة عدم ثبوت الهلال لديه عند ثبوته لدى أمير الحاج أو لعكس ذلك، كما هو الحال في زماننا هذا حيث لا يتيسر التخلف عن الموقف الرسمي إلا بالنسبة إلى الشاذ النادر من الحجاج كما هو واضح.
فإذا ثبت هذان الأمران قالوا: إنه لا يبقى تفسير منطقي لخلو الأحاديث ـ صحيحها وسقيمها ـ من حكم الاختلاف في الوقوفين إلا ما ذكر من أن الأئمة : لم يكونوا يقفون إلا وفق الموقف الرسمي، وكان أصحابهم يرون ذلك منهم فيتبعونهم في ما يصنعون. وكان عملهم : بمرأى ومشهد الأصحاب مغنياً عن تكرر بيانهم لحكم المسألة ـ أي الاجتزاء بالوقوف مع العامة تقية ـ كما