بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٦٢٠ - بحوث قاعدة التقية
وثانياً: لو غض النظر عما ذكر وبني على انعقاد الإطلاق لدليل وجوب حفظ النفس إلا أنه يمكن أن يقال: إن حرمة قتل المؤمن أهم ـ ولو احتمالاً ـ من ترك حفظ النفس ـ ولا يحتمل عكس ذلك [١] ـ ولا سيما مع إطباق فقهاء المسلمين ـ عدا السيد الأستاذ (قدس سره) ـ على عدم جواز قتل المؤمن من جهة الإكراه والتقية، وقد ذكر في محله من علم الأصول أن احتمال الأهمية من مرجحات باب التزاحم، فلا بد من ترجيح حرمة القتل على وجوب الحفظ ولا مجال للقول بالتخيير بينهما.
وبذلك يظهر الخدش في ما أفاده السيد الأستاذ (قدس سره) في كتاب القصاص من إدراج المقام في باب التزاحم والالتزام فيه بالتخيير بدعوى عدم المرجح.
هذا كله بناءً على القولين الأول والثالث في المسألة، وأما بناءً على القول الثاني أي جواز التقية حتى في ما يضر بالغير إلا قتله وإزهاق روحه فلا بد من إقامة الدليل على هذا الاستثناء، لأن من الوجوه التي استدل بها للقول المذكور ـ كما تقدم ـ هو دليل رفع الحرج، فإذا دار الأمر بين أن يترك المكلف العمل بالتقية ليتعرض للقتل والهلاك وبين أن يقتل شخصاً محقون الدم تقيةً، وكان صبره على مخالفة التقية وتعريض نفسه للقتل حرجياً عليه بحدّ لا يتحمل عادة، أمكن أن يقال [٢] : إن مقتضى دليل نفي الحرج هو أن ترتفع عنه حرمة قتل الغير، فلا تصل النوبة إلى إدراج المقام في باب التزاحم والقول بأن حرمة قتل الغير أهم ولو احتمالاً، فتترجح على وجوب حفظ النفس من الهلاك، إذ مع ارتفاع حرمة قتل الغير بدليل نفي الحرج لا يبقى مزاحم لوجوب حفظ النفس ليدعى ترجحه عليه.
وبالجملة: الوجه المذكور يقتضي بإطلاقه التسوية بين قتل الغير وسائر
[١] قد يقال: إنه يحتمل العكس في بعض الموارد، كما لو كان قائداً أو خبيراً يترتب على بقائه مصلحة مهمة للإسلام أو المسلمين أو يدفع عنهم مفسدة مهمة ولا بديل عنه في إنجازها، وكان الآخر من فساق المسلمين الذين لا يرجى منهم نفع إن لم يترتب عليهم ضرر بسببه، فليتأمل.
[٢] هذا بناءً على جريان قاعدة نفي الحرج في مثل القتل من كبائر المحرمات، ومرّ أن المختار خلاف ذلك.