بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٥٧ - بحوث قاعدة التقية
هذا وينبغي الإشارة إلى أن عنوان الاضطرار والضرورة مما يختلف صدقه باختلاف الموارد، مثلاً: التعرض لسماع كلمة خشنة أمر لا يطيقه البعض ممن له مكانة اجتماعية مميزة حيث يعدّ هتكاً لحرمته وحطاً من كرامته بدرجة لا تتحمل عادة، ولذلك يصدق عرفاً أنه مضطر إلى الكذب مثلاً لتفادي التعرض له، ولا يكون الحال كذلك بالنسبة إلى غيره من الأشخاص العاديين كما هو ظاهر.
وأيضاً يصدق الاضطرار مع احتمال الضرر وإن كان ضعيفاً إذا كان المحتمل على درجة عالية من الأهمية كما إذا احتمل بمقدار (١٠%) أن يتعرض للقتل إذا لم يقم بإتلاف شريط صوتي يعود لغيره، فإنه يصدق عرفاً أنه مضطر إلى إتلافه، بخلاف ما إذا كان المحتمل هو أن يتعرض لغرامة مالية، فإنه لا يعدّ عرفاً مضطراً إلى ذلك.
وبالجملة: إن بين الضرر والاضطرار فرقاً واضحاً، فيكفي في صدق الضرر ورود النقص على الشخص في بدنه أو ماله أو عرضه، والخوف طريق إليه بغض النظر عن قوة الاحتمال وأهمية المحتمل. وأما في الاضطرار فيعتبر في صدقه بالإضافة إلى ذلك أن يكون الملجأ إليه أقل محذوراً من الملجأ منه بعد ملاحظة درجة الاحتمال وأهمية المحتمل في الجانبين، وكذلك سائر الخصوصيات التي يختلف باختلافها صدق العنوان المذكور.
ثم إن ما تقدم كان في الضرر المتوجه إلى الشخص نفسه أو إلى من يهمه أمره ـ من الأبوين والزوجة والأولاد وأضرابهم ـ ممن يعدّ الضرر الوارد عليهم ضرراً عليه عرفاً، ولذلك تكون التقية مسوغة فيه لارتكاب الحرام وترك الواجب إما مطلقاً أو مع صدق الاضطرار على ما مرّ.
ولكن الملاحظ أن السيد الأستاذ (قدس سره) بعد أن ذكر [١] : أن (القدر المتيقن من الضرر المسوغ احتماله لارتكاب الحرام أو ترك الواجب إنما هو الضرر المتوجه إلى نفس الفاعل سواء أكان بدنياً أم مالياً أم عرضياً). أضاف قائلاً: (ويلحق بذلك الضرر المتوجه إلى الأخ المؤمن، لعدة من الروايات الواردة في جواز
[١] التنقيح في شرح العروة الوثقى (كتاب الطهارة) ج:٤ ص:٣١٤ ط:نجف.