بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٦٤٧ - بحوث قاعدة التقية
استحباب التقية عندئذٍ، فإن مناسبات الحكم والموضوع تمنع من انعقاد الإطلاق لها لتشمل مثل ذلك، فليتأمل.
هذا وتقدم أن الأعلام المتأخرين (قدس الله أسرارهم) قد ذكروا أن التقية تنقسم من حيث كونها متعلقة للحكم التكليفي إلى خمسة أقسام ..
(القسم الأول): التقية الواجبة.
قال الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره) [١] : هي (ما كان لدفع الضرر الواجب فعلاً، وأمثلته كثيرة). وقال السيد الأستاذ (قدس سره) [٢] : إنها كل تقية وإن لم يترتب على تركها إلا الضرر اليسير.
ولا ينحصر الفرق بين ما أفاده العلمان (قُدِّس سرُّهما) في أن مقتضى كلام الشيخ الأعظم هو اختصاص التقية الواجبة بمورد دفع الضرر الواجب، ومقتضى كلام السيد الأستاذ هو عموم التقية لمطلق موارد دفع الضرر حتى وإن كان يسيراً، بل بينهما فرق من جهة أخرى أيضاً، وهي أن وجوب التقية وفق ما ذكره الشيخ الأعظم (قدس سره) إنما يكون وجوباً غيرياً مقدمياً ـ الذي اختلفوا في كونه عقلياً أو شرعياً ـ وأما وفق ما أفاده السيد الأستاذ (قدس سره) فوجوبها نفسي، إذ إنه إنما استفاده من الروايات المتقدمة التي ورد في بعضها أن التقية من دين الله، والوجوب المقدمي عنده (قدس سره) عقلي محض وليس شرعياً، فلا يمكن أن يعدّ من الدين. مضافاً إلى أنه (قدس سره) لا يرى وجوب دفع الضرر اليسير في غير مورد التقية بل يخصه بالضرر البليغ، فلا تكون التقية لدفع غيره واجبة عنده من باب وجوب المقدمة، لعدم وجوب ذيها.
والحاصل: أن التقية الواجبة عند الشيخ الأعظم (قدس سره) وجوبها غيري، وعند السيد الأستاذ (رضوان الله عليه) وجوبها نفسي [٣] .
[١] رسالة التقية في (رسائل فقهية) ص:٧٣.
[٢] التنقيح في شرح العروة الوثقى (كتاب الطهارة) ج:٤ ص:٢٥٥ ط:نجف.
[٣] ومقتضى كون وجوبها مقدمياً أنه لو خالف التقية ولم يتضرر فلا عقوبة ـ إلا على القول بقبح التجري واستحقاق العقوبة عليه ـ وإن تضرر فإنما يستحق العقوبة على عدم دفع ذلك الضرر، لا على ترك التقية بما هي هي. وهذا بخلاف ما إذا كان وجوبها نفسياً، فإن مقتضاه استحقاق العقوبة على ترك التقية نفسها على كل حال بغض النظر عما في مخالفتها من عدم دفع الضرر عن نفسه، وأيضاً مقتضى الوجوب النفسي وجود مصلحة ملزمة في التقية نفسها، ومقتضى الوجوب الغيري ترتب مفسدة ملزمة على تحمل الضرر المترتب على مخالفة التقية.