بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٤٨ - المناقشة في الاستدلال به من وجهين
إذا ظهر ما تقدم فأقول: إن هاهنا وجهاً آخر في مفاد رواية أبي الجارود المبحوث عنها غير ما يبتني عليه الاستدلال بها للاجتزاء بالوقوف مع العامة، وهو أن الإمام ٧ كان بصدد بيان أن عامة الناس إذا ضحوا أو صاموا أو أفطروا كان ذلك أمارة على تحقق الحجة ـ بأحد النحوين المذكورين ـ على حلول عيد الأضحى أو دخول شهر رمضان أو حلول عيد الفطر، ولا حاجة عندئذٍ إلى أن يتحقق المكلف بنفسه عن رؤية الهلال أو حصول الشياع أو قيام البينة على الرؤية. ولو لم يضحّ الناس أو لم يصوموا أو لم يفطروا فلا أمارة على تحقق الحجة بأحد ذينك النحوين على حلول عيد الأضحى أو دخول شهر رمضان أو حلول عيد الفطر، فلا يعتدّ ببعض الادعاءات المنفردة بخلاف ذلك.
وبعبارة أخرى: إن مفاد الرواية وفق هذا الوجه هو نظير مفاد دليل حلية اللحم المعروض للأكل في سوق المسلمين، فكما أنه يدل على أمارية السوق على تحقق الحجة على تذكية اللحم وهي يد المسلم من جهة الغلبة، كذلك خبر أبي الجارود يدل على أن الناس إذا ضحوا كان ذلك أمارة على تحقق الحجة على حلول عيد الأضحى من شياع على رؤية الهلال قبل عشرة أيام أو بينة شرعية على ذلك من جهة الغلبة أيضاً.
ويقرب من هذا المعنى ما استفاده الشيخ (طاب ثراه) من رواية عبد الحميد الأزدي المتقدمة، حيث قال (قدس سره) [١] : (يريد ٧ بذلك أن صومهم إنما يكون بالرؤية، فإذا لم يستفض الخبر عندهم برؤية الهلال لم يصوموا على ما جرت به العادة في باب الإسلام). ونظيره ما ذكره الشيخ صاحب الحدائق (قدس سره) [٢] .
ومما يؤكد إرادة المعنى المذكور من خبر أبي الجارود المبحوث عنه هو ما ورد في ذيل هذا الخبر بنقل محمد بن سنان من قوله ٧ : «فإن الله عزَّ وجل
____________
(١) تهذيب الأحكام ج:٤ ص:١٦٤.
(٢) الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة ج:١٣ ص:٢٤٥.