بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٦١٧ - بحوث قاعدة التقية
(القول الثالث): أنه تجوز التقية بما يضر الغير فيما إذا كان تركها وتجنب المتقى به موجباً ـ ولو احتمالاً ـ للوقوع في ضررٍ يجب التحفظ منه شرعاً، مع كون وجوبه أهم عند الشارع المقدس من حرمة ما تقتضيه التقية من الإضرار بالغير، أو كونه مساوياً لها في الأهمية.
ففي هذه الصورة تجوز التقية بما يضر الغير، أقصى الأمر أنه يجب تدارك ذلك الضرر إن كان مما يتدارك عرفاً.
وأما في غير الصورة المذكورة فلا تجوز التقية بإضرار الغير سواء أكان الضرر الذي يترتب على مخالفة التقية مما لا يجب التحفظ منه أو كان مما يجب التحفظ منه ولكن كانت حرمة الإضرار بالغير أهم منه شرعاً.
وهذا التفصيل هو اختيار سيدي الأستاذ الوالد (دامت بركاته)، ومبناه عدم تمامية ما تقدم الاستدلال به للقولين الأولين، وعندئذٍ لا يبقى إلا ملاحظة أنه هل لحرمة الإضرار بالغير ما يزاحمها من وجوب متوجه إلى المكلف بالتحفظ من الضرر المترتب على ترك التقية أو لا، فإن لم يكن لها مزاحم ـ كما لو اقتضت التقية حفظاً لماله الزائد على ما يلزمه من الإنفاق [١] أن يورد ضرراً على الغير في بدنه أو ماله أو عرضه ـ لم يجز له الإضرار بالغير، إذ لا مبرر لمخالفة حرمة الإضرار في هذه الصورة.
وأما إذا كان لها مزاحم وهو فيما إذا وجب عليه التحفظ من الضرر المترتب على ترك التقية ـ كما لو كان يؤدي إلى إزهاق روحه أو إصابة بدنه بضرر بليغ كالشلل التام أو قطع بعض الأعضاء، أو كان فيه انتهاك لعرضه بالاغتصاب ونحوه، أو تلف ماله الذي يتوقف عليه أداء بعض الواجبات ـ تعيّن الرجوع إلى قواعد باب التزاحم، لفرض وقوع التزاحم بين حرمة الإضرار بالغير بالإتيان بالفعل المتقى به وبين وجوب التحفظ عن الضرر بالتجنب عن ارتكابه، فإن كان وجوب التحفظ أهم من حرمة الإضرار أو كان مساوياً لها
[١] فإن حفظ المال ليس واجباً بعنوانه وإنما يحرم إتلافه بالإسراف والتبذير ونحوهما، نعم يجب حفظه إذا توقف عليه أداء واجب كالإنفاق على واجبي النفقة مثلاً.