بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٣٠ - بحوث قاعدة التقية
التقية الاضطرارية هو فعل المحرمات وترك الواجبات [١] ؟!
مضافاً إلى ما مرّت الإشارة إليه قريباً من أن ترك المعاشرة مع المخالفين بما ذكرنا لا يؤدي في كثير من الحالات إلى تضرر الشخص نفسه ولو على المدى البعيد، ولا سيما بالنسبة إلى بعض أنواع المعاشرة المذكورة، وأما ترتب الضرر بالنسبة إلى بعض إخوانه المؤمنين فهو أقل وقوعاً من ذلك كما لا يخفى.
هذا كله من جانب، ومن جانب آخر فإن الوجه المذكور لا يناسب بعض ما ورد في تلك الروايات كقوله ٧ في معتبرة أبي أسامة تعليلاً لما أمر به من صلة العشائر وتشييع الجنائز وعيادة المرضى وأداء الحقوق: «فإن الرجل منكم إذا ورع في دينه وصدق الحديث وأدى الأمانة وحسن خلقه مع الناس، قيل: هذا جعفري، فيسرني ذلك» ، وقوله ٧ في معتبرة الخثعمي: «وأحبوا للناس ما تحبون لأنفسكم» ، وقوله ٧ في خبر مرازم: «إنه لا بد لكم من الناس، إن أحداً لا يستغني عن الناس حياته» ، فإن هذه التعابير لا تنسجم مع كون الأمر بحسن المعاشرة مع المخالفين بمناط التقية الاضطرارية كما لعله واضح.
الوجه الثاني: ما بنى عليه القائلون بالتقية المداراتية من أن مورد النصوص المذكورة هو الأعم من صورة الأمن من أذى المخالفين ولو مع ترك مخالطتهم ومعاشرتهم، فلا يكون القيام تجاههم بالأمور المذكورة إلا لمجرد المداراة معهم والتحبب إليهم لغرض توحيد كلمة المسلمين والظهور بمظهر موحد أمام غيرهم ونحو ذلك من الأغراض.
ومبنى هذا الوجه ـ كما في الوجه السابق ـ أن حسن المعاشرة مع المخالفين بما ذكر ليس مطلوباً في حدّ ذاته، ولا يعدّ من الحقوق الثابتة لهم شرعاً بصفتهم من المسلمين، بل إنما ورد الحث عليه لغرض تأمين بعض المصالح الثانوية لا غير.
[١] قد يقال: إن كون الفعل مباحاً في حدّ ذاته لا يمنع من أن يجب أو يستحب دفعاً لضرر المخالف بإخفاء المؤمن موقفه منه وعدم رغبته في التواصل معه من جهة مخالفته معه في العقيدة، نعم لا يكون حينئذٍ تقية مصطلحة، ولكن هذا لا يشكل عائقاً أمام استظهار هذا الوجه من الروايات بعد أن لم تكن لفظة (التقية) مستعملة فيها، فليتأمل.