بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٠٨ - بحوث قاعدة التقية
وفي المقام تصح الكناية عن التقية بالخبء الذي هو بمعنى الستر والإخفاء وإن لم يتحقق هذا المعنى في بعض مواردها، نعم لو كان الإمام ٧ قد فسر التقية بالخبء لكان بالإمكان الاستشهاد به لاعتبار عنصر الكتمان في التقية بالمعنى الأخص، إذ كان حينئذٍ خارجاً عن باب الكناية، ولكنه ٧ عكس الأمر ففسر الخبء بالتقية، مما يقتضي أنه استخدمه كناية عنها، فلا يصلح التفسير المذكور شاهداً على اعتبار عنصر الكتمان في التقية بالمعنى الأخص.
اللهم إلا أن يقال: إن هذا إنما يتم بالنسبة إلى صحيحة هشام بن سالم، وأما في رواية هشام الكندي فالملاحظ أن الإمام ٧ قد حثّ في بداية كلامه على التواصل مع المخالفين وحسن المعاشرة معهم، وعقّبه بقوله: (والله ما عبد الله بشيء أحب إليه من الخبء) ثم فسر الخبء بالتقية، وهذا يشير إلى أن ما ذكره أولاً من مصاديق التقية التي كنى عنها بالخبء، والمتفاهم العرفي من ذلك أنها إنما عدّت من مصاديقها ـ بالرغم من عدم خوف الأذى والضرر في مواردها ـ من جهة اشتمالها على عنصر الستر والكتمان، ولا بد أن يكون ذلك بلحاظ أن الموالي يخفي موقفه الحقيقي وما في نفسه تجاه المخالف، وإنما يحسن المعاشرة معه لمصلحة ثانوية، وهذا يعني اعتبار عنصر الكتمان في ما يسمى بالتقية المداراتية، فكيف لا يعتبر في التقية الخوفية التي هي المصداق الأوضح والأبرز للتقية؟!
ولكن هذا الكلام غير تام، فإنه ـ مضافاً إلى أنه لا وجه لاستبعاد التفريق بين النوعين من الجهة المذكورة ـ يمكن أن يقال: إنه لا سبيل إلى إثبات اعتبار الكتمان في ما يسمى بالتقية المداراتية بالرواية المذكورة، لأنها غير تامة السند [١] ،
[١] قد يقال: إنه لا يتوقف الاستشهاد بها على اعتبارها سنداً بعد أن لم يكن المراد استكشاف حكم شرعي بها، بل حدود المعنى السائد آنذاك، المفروض أن الراوي الأخير ـ المجهول حاله ـ كان من أهل عرفه.
ويرده: أن مبنى الاستفادة المذكورة هو كون قوله: (والله ما عبد الله ..) تكملة لكلام الإمام ٧ لا مما اقتبسه الراوي من رواية أخرى ـ كصحيحة هشام بن سالم ـ وألصقه بكلامه المذكور، وهذا مما لا محرز له بعد فرض عدم ثبوت وثاقة الراوي.