بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٧٧٢ - بحوث قاعدة التقية
ولا شك أن العقلاء لا يعاملون معاملة الصحة مع هذه الأسباب إلا مع وجود عامل التقية، وأما مع زوال عامل التقية وارتفاع العامل فيرجعون إلى أسبابها الواقعية.
فإن هذا الكلام مما لا يمكن المساعدة عليه، إذ إن التقية وإن كانت أمراً عقلائياً من حيث كونها عذراً، إلا أن الاجتزاء بما يؤتى به تقية وترتب الأثر عليه إنما ثبت في ما ثبت بالتعبد الشرعي، فلا بد من الرجوع في حدوده إلى ما تدل عليه الأدلة الشرعية، والروايات الخاصة ظاهرة في ترتبه عليه غير مقيد ببقاء موجب التقية، فلا بد من الأخذ بمقتضاها في ذلك.
وهكذا الحال في الأدلة العامة الواردة في التقية إن بني على دلالتها على الصحة وترتب الأثر في محل الكلام، فإن مقتضى إطلاقها هو عدم الفرق في ذلك بين زوال السبب وعدمه. وكذلك قاعدة لا تنقض السنة الفريضة وقاعدة حلية المضطر إليه بناءً على ما هو المختار من وفائهما بالمطلوب في بعض الموارد.
وأما إذا كان الدليل على الصحة وترتب الأثر هو السيرة العملية في ما يمكن التأكد من جريانها فيه على ذلك ـ كما هو مبنى السيد الأستاذ (قدس سره) في الوضوء ونحوه ـ فيمكن القول: إن السيرة لما كانت دليلاً لبياً فلا بد من الاقتصار على القدر المتيقن في موردها، والقدر المتيقن في الوضوء مع المسح على الخفين تقية هو ترتيب أثر الطهارة عليه إلى حين زوال موجب التقية، وأما بعد زوال موجبها فيصعب التأكد من جريان سيرة المؤمنين في عصر المعصومين : على التعامل معه معاملة الوضوء الصحيح وترتيب أثر الطهارة عليه، فلا محيص من الأخذ فيه بمقتضى القاعدة من عدم ترتبها عليه.
(البحث السادس): أنه إذا كان العمل المتقى به على خلاف مذهب المتقى منه وإن كان تتأتى به التقية ـ حيث تقدم أنه لا يشترط فيها الموافقة لمذهب المتقى منه ـ كما إذا كان حنبلياً لا يرى جواز السجود على ظهر الكف خلافاً للحنفية، فاتقى الموالي منه بالسجود على كفه ولم يسجد على ما يصح السجود عليه