بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٣١ - بحوث قاعدة التقية
وبذلك يظهر وجه تسمية ذلك بالتقية المداراتية، فإنه يندرج تحت عنوان التقية، لأن المفروض أن الموالي يكتم في نفسه عدم استحقاق المخالفين لما يصنعه من الإحسان إليهم بعيادة مرضاهم وتشييع جنائزهم وحسن الخلق معهم ونحو ذلك، وحيث إنه لا يخشى أذاهم وضررهم بترك ذلك لم يندرج في التقية الاضطرارية بل كان معنوناً بالمداراتية.
ويبدو لي أن هذا الوجه أبعد من الوجه الأول، فإن مقتضاه أن الإمام ٧ قد حث الموالي على أن يتصرف في الظاهر بغير ما يضمره في الباطن من دون ضرورة تدعوه إلى ذلك، وهذا أمر غير لائق به، فإن من المنطقي أن يتقي المخالف ويظهر له غير ما يبطنه ويسره إذا كان يخشى ضرره على نفسه أو على بعض إخوانه المؤمنين ولو على المدى البعيد. وأما مع الأمن من ضرره وأذاه فمن غير المنطقي أن يصله ويتظاهر باحترامه ومشاركته في أفراحه وأتراحه ونحو ذلك مع إضمار خلاف ذلك في نفسه، فإن هذا سلوك غير لائق ولا يبرره أي هدف نبيل [١] .
مع أنه لو اطلع المخالف على كون الحث على حسن المعاشرة معه إنما هو
[١] قد يقال: بل لا ضير فيه إذا كان الهدف دفع الضرر والأذى النوعي عن الشيعة بأن كان الإمام ٧ يرى أن الشيعة إذا لم يتصرفوا بمثل هذا مع المخالفين أدى ذلك إلى تعرضهم ولو في أجيال لاحقة لأذى شديد قد يصل إلى حدّ فناء بعض تجمعاتهم، فإن للعلائق الاجتماعية أكبر الأثر في دفع كثير من الظنون والهواجس بين أطرافها ورفع الريب الواقع بينهم، وهذا ليس من التقية الاضطرارية التي يخشى فيها الشخص على نفسه أو من يهمه أمره.
وكذا لا ضير فيه إذا كان الغرض منه حفظ وحدة المسلمين تجاه الكفار بأن كان الإمام ٧ يرى أنه لو لم يتفاعل الشيعة مع العامة بهذا النحو أدى ذلك إلى تصدع جبهة المسلمين وانعزال بعضهم عن بعض وعدم وقوفهم موحدين تجاه الكفار، لضعف العلائق الاجتماعية بينهم.
وبالجملة: هذا التصرف وإن لم يكن لائقاً في حدّ نفسه إلا أنه لا مانع من أن يؤمر به من قبل من يسوس التشيع ويرسم مستقبله ويعلم ضعف هذه الطائفة عدداً وعدة بالقياس إلى المخالفين وطول مدة الغيبة حفظاً لبيضة المذهب ودماء جماعات من المؤمنين، ودفعاً لطمع الكفار في المسلمين، ترجيحاً لأخف الضررين وأهون المحذورين. نعم لو كان الغرض منه مجرد التوسعة على الشيعة في حياتهم لم يكن لائقاً، فليتأمل.