بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٨١ - بحوث قاعدة التقية
وإن كان مقصوده ما هو ظاهر كلامه من أن التبري لما لم يرد في القرآن إلا عن المشركين أصبح لا يستخدم عند المتشرعة إلا فيه، فالتبري عن الإمام ٧ في قوة اتهامه بالشرك بخلاف السب فهو غير صحيح، فإن البراءة كانت ولا تزال تستخدم في الأعم من ذلك، مضافاً إلى أنها استخدمت في الكتاب العزيز في ما يعمه في بعض الموارد كما في قوله تعالى: (وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ) ، و (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا) ، و (إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ) وغير ذلك.
فهذا الوجه غير تام إلا أن يرجع إلى الوجه الثالث الآتي.
الوجه الثاني: ما ذكره ابن ميثم البحراني [١] قائلاً: (في الفرق بينهما لطف، وذلك أن السب من صفات القول اللساني، وهو أمر يمكن إيقاعه من غير اعتقاده .. وأما التبري فليس بصفة قولية فقط، بل يعود إلى المجانبة القلبية والمعاداة والبغض، وهو المنهي عنه هاهنا، فإنه أمر باطن يمكنهم الانتهاء عنه ولا يلحقهم بسبب تركه وعدم امتثال الأمر به ضرر).
وقد وافقه على هذا بعض شراح نهج البلاغة [٢] قائلاً بعد نقل عبارته: (ومحصله إرجاع النهي عن التبري في قوله: «ولا تتبرؤا» على التبري بالقلب دون التبري بمجرد اللسان مع اطمئنان القلب بالإيمان). ثم أشار إلى أنه يوافق خبر الاحتجاج الذي تقدم ذكره.
ولكن هذا الوجه أيضاً ضعيف [٣] ، فإنه لو كان المراد هو التبري القلبي لما
[١] شرح نهج البلاغة ج:٢ ص:١٤٩ـ١٥٠.
[٢] منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة ج:٤ ص:٣٤٩.
[٣] قد يقرب هذا الوجه استناداً إلى ما ورد في ذيل رواية الحاكم النيسابوري المتقدمة من أن الإمام ٧ تلا آية (إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) ، بدعوى أنه يكشف عن أن مراده ٧ مما نهى عنه من البراءة إنما كان هو البراءة القلبية. وأما الفرق بين البراءة والسب فلعله من جهة أن عوام الناس في ذلك الزمان كانوا يتخيلون لزوم البناء على البراءة والالتزام بمقتضياتها إن صدرت منهم ولو عن إكراه، نظير البيعة والحلف بنظرهم، وليس كذلك السب، فإن نسبته إلى البراءة كنسبة مدح الحاكم إلى بيعته.
وهذا الانطباع وإن كان خاطئاً ولا أساس له شرعاً، إذ لا أثر للبراءة إن كانت عن إكراه ولم ينعقد عليها القلب، إلا أنه ٧ لما وجد أنه يصعب على عامة الناس أن يدركوا هذا المعنى ويتثقفوا عليه بحيث لا يزلزلهم عنه فقهاء السلطة بعدئذٍ، وعلم ابتلاء أهل الكوفة ـ وهم من سعى في أن يزرع فيهم بذرة التشيع ـ بهذا الأمر من بعده ارتأى تارة أن ينهى عن التبري من غير تفصيل ـ كما في بعض الروايات ـ وأخرى أن ينهى عنه ثم ينبه على جوازه مع كون القلب مطمئناً بخلافه ـ كما في رواية الحاكم النيسابوري ـ وثالثة بالسكوت عن حكمه مع التصريح بجواز السب، وهو ما يشير إلى اختلافهما في الحكم ـ كما ورد في بعض رواياتنا ـ فتفريقه ٧ بين السب والبراءة إنما كان من جهة مجاراته للناس في اعتقادهم بترتب الآثار على البراءة وإن صدرت منهم عن إكراه.