بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٠٥ - حكم من تأخر في الوقوف بعرفات عن أول الوقت وأفاض قبل الغروب
أقول: أما دعوى عدم صدق الإفاضة قبل غروب الشمس إلا إذا كانت قبله بزمان قليل فهي ممنوعة بوضوح. فإن لفظة (قبيل) هي التي تقتضي ذلك، وأما لفظة (قبل) المذكورة في النص فهي أعم منه في حدِّ ذاتها.
وأما دعوى الانصراف عما إذا كانت الإفاضة في أوائل الزوال بعد الوقوف قليلاً فيمكن أن يقال: إنها غير تامة أيضاً، إذ أقصى ما هناك هو كون الفرد المذكور للإفاضة نادراً والشائع المتعارف هو الإفاضة قبيل الغروب، إلا أن الموضح في محله من علم الأصول أن الانصراف الناشئ من كثرة الوجود بدوي لا يعتد به، وإنما يؤخذ بما كان من جهة كثرة الاستعمال في بعض الأفراد الموجبة لمزيد من أنس اللفظ به، وهو غير متحقق في المقام.
وبالجملة: المنع من إطلاق روايتي مسمع وضريس لمفروض البحث غير متجه، اللهم إلا أن يقال: إنه لا يبعد أن يكون السؤال فيهما ناظراً إلى ما كان محلاً للخلاف في الأوساط الفقهية في ذلك العصر [١] من صحة الحج أو عدم صحته مع عدم البقاء في عرفات في جزء من ليلة العيد بالإفاضة منها قبل الغروب، وفي ثبوت الكفارة بذلك وعدمه، وعلى هذا فلا ينعقد لهما الإطلاق من جهة كون الإفاضة في أوائل الزوال، ولا أقل من كون ذلك من احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية المانعة من انعقاد الإطلاق له، فليتأمل.
هذا كله فيما إذا بني على أن وقت وجوب الوقوف هو من أول الزوال.
وأما إذا بني على أنه لا يجب الوقوف إلا بعد ساعة من الزوال ـ كما هو اختيار السيد الأستاذ (قدس سره) ـ أو بعد ساعتين مثلاً ـ كما مرّ احتماله ـ فمن الظاهر أنه لا سبيل إلى الاستدلال بالروايتين للحكم بصحة الحج في مفروض الكلام، فإنه لا إطلاق لهما لما إذا لم يأت بشيء من الوقوف في وقت وجوبه.
وبعبارة أخرى: السؤال فيهما مبني على المفروغية من الإتيان بالوقوف الواجب في الجملة وإنما أفاض قبل الغروب، فلا يشمل ما إذا لم يقف في وقت
[١] لاحظ المجموع شرح المهذب ج:٨ ص:١١٨، وتحفة الفقهاء ج:١ ص:٤٠٦، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد ج:١ ص:٢٧٩.