بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤١٦ - هل الاختلاف بين الموقفين الرسمي والشرعي في كثير من السنين مبني على القول بعدم كفاية الرؤية في بلد لبلد آخر مع التباعد بينهما؟
والحاصل: أنه بناءً على القول باتحاد الآفاق لا وجه لتعليق الأمر التعبدي بإتمام شعبان ثلاثين يوماً على وجود العلة في السماء، فإنه ليس من قبيل تعليق الحكم على وجود الموضوع ـ كما هو الحال على القول باختلاف الآفاق ـ بل من قبيل تعليق الجزاء على تحقق الشرط مع وجود الموضوع، في حين أن وجود العلة في السماء ليس شرطاً في ترتب الحكم المذكور، أي الأمر التعبدي بإتمام شعبان ثلاثين يوماً، فإنه مما يحتاج إليه على كل حال سواء أكان في سماء البلد علة أم لا، فالشرطية المذكورة تدل على تمامية القول باختلاف الآفاق لا محالة.
هذا ثم إن هناك أموراً يمكن أن تعدّ من مبعدات القول بوحدة الآفاق مما تعضد القول باختلافها، وأهمها أمران ..
١ ـ أنه لا ريب في أن العرب قبل الإسلام كان جلّ اعتمادهم في حساب الأيام على أوضاع القمر وملاحظة منازله، وكانوا يعبّرون عنه في كل ليلة من الشهر على حسب ما هو به من الضياء وغيره من الخصوصيات، كما كانوا يسمون الثلاث ليال الأولى بـ(غُرَر) والثلاث التي تليها بـ(سَمر) والثلاث التي تليها بـ(زُهر) وهكذا ـ ذكر ذلك المؤرخ المسعودي [١] ـ ولما جاء الإسلام أقرّ العرب في اعتمادهم على الأشهر القمرية، قال تعالى [٢] : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) أي أنها أوقات مضروبة للناس في أمور معاشهم ومعادهم.
وفي ضوء ذلك أقول: إنه لو بني على القول باختلاف الآفاق في بداية الأشهر القمرية كان مقتضى ذلك أن الأهلة تكون مواقيت واقعية لجميع الناس، ففي كل شهر إذا ظهر الهلال في الأفق المحلي يدخل الشهر الجديد في ذلك المكان، ففي قسم من الكرة الأرضية يكون ذلك في ليلة الخميس ـ مثلاً ـ وفي قسم منها يكون في ليلة الجمعة، وفي كلا القسمين يكون الهلال ميقاتاً مطابقاً للواقع.
[١] مروج الذهب ومعادن الجوهر ج:٢ ص:١٩٣، ١٩٥.
[٢] البقرة:١٨٩.