بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٧٣٧ - بحوث قاعدة التقية
يضر عندئذٍ الإخلال فيها ببعض واجباتها تقية مما يصعب إقامة الدليل عليه بمقتضى الصناعة.
فالنتيجة: أنه لم يثبت أن الصلاة مع المخالفين وفي مساجدهم من موارد مشروعية ما يسمى بالتقية المداراتية إذا كانت تستلزم الإخلال ببعض واجباتها، فليتأمل.
هذا ومن الغريب ما ذهب إليه بعض الأعلام (طاب ثراه) [١] من جواز الاقتداء بالمخالف تمسكاً بالنصوص الحاثة على الصلاة معهم بعد حمل ما ورد في صحيحة زرارة من قوله ٧ : «ما هم عندي إلا بمنزلة الجُدر» على كونه مسوقاً لبيان الحكم الأولي. وحمل ما دل على الأمر بالإتيان بالصلاة في البيت قبل الحضور في جماعتهم في المسجد أو بعد ذلك على الاستحباب.
وجه الغرابة: أن ظهور الروايات الواردة في الترغيب في المشاركة في جماعة المخالفين في صحة الاقتداء بهم أضعف من ظهور الطائفتين الأخريين في عدم الصحة ولزوم الإتيان بوظيفة المنفرد في الصلاة معهم أو الإتيان بالصلاة فرادى قبل أو بعد المشاركة في جماعتهم، فكيف بنى على رفع اليد عن ظهور هاتين الطائفتين في عدم صحة الاقتداء بالمخالف بظهور تلك الروايات في الصحة؟!
(الجهة الثالثة) [٢] : في أنه على القول بالإجزاء في العمل المأتي به تقية، فهل
[١] الرسائل ج:٢ ص:١٩٨ـ١٩٩.
[٢] قال السيد الأستاذ (دامت تأييداته) قبل الشروع في البحث: (في الثامن من هذا الشهر ـ صفر الخير ـ مرّت الذكرى السنوية الخامسة والعشرون لرحيل السيد الأستاذ (قدس سره) إلى الرفيق الأعلى، وانطفاء تلك الشعلة الوهاجة التي طالما استضاء بنورها روّاد الحوزات العلمية، ولكن تراثه الفكري بقي وسيبقى إلى أمد طويل ملء الأبصار والأفئدة، يضيء للسائرين دروب العلم، وينير لهم مسالك المعارف الدينية.
وإن من أهم ما تميز به (رضوان الله عليه) هو منهجه العلمي الرصين في التعامل مع الأخبار المروية عن أئمة أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام)، والتزامه الصارم بنقدها من حيث مصادرها وأسانيدها ومتونها، وعدم التعويل إلا على المعتبر منها من جميع الجهات. وكذلك إبرازه لدور علم الرجال وأهميته الفائقة في استنباط الأحكام الشرعية والوصول إلى المعارف الإسلامية الأصيلة.
وتتجلى أهمية ما قام به (قدس سره) في هذا المجال بملاحظة المحاولات التي يقوم بها البعض في هذه الأيام لإرجاع عجلة الفكر إلى الوراء، بالترويج لنمط من الأفكار المبنية على الأخذ بروايات الوضّاعين والضعفاء وما بحكمها مما ورد في المصادر غير المعتبرة، وعدّ ذلك كله من علوم الأئمة الطاهرين : ، والبناء عليه في تحديد معالم مدرستهم الفكرية العظيمة.
إن التمسك بمنهج السيد الأستاذ (أعلى الله مقامه) في نقد الأحاديث وتمحيصها والتدقيق فيها كفيل بإفشال هذه المحاولات الغريبة التي لو قُدِّر لها شيء من النجاح فإنها ستؤثر سلباً على المسيرة الفكرية لأتباع أئمة أهل البيت : ، ولن يحدث ذلك إن شاء الله تعالى.
لقد مضى على فراق السيد الأستاذ (قدس سره) ربع قرن من الزمن، ولا زلت أتذكره بهيأته وهيبته، بهيأته وهو يرقى منبر التدريس فيبهر الحضور ببيانه الجميل ومنطقه المحكم، وبهيبته وهي هيبة العلم والتقوى والمرجعية العليا التي تبوّأها عن جدارة مطلقة. لا زلت أتذكر عنايته ورعايته لطلابه حتى الأحداث منهم من أمثالي بالرغم من عظم شأنه وكبر سنِّه وتكاثر الهموم على قلبه الشريف في ظل النظام الجائر السابق. لا زلت أتذكر كل ذلك فأتواضع لمقامه وأخشع لجلاله. وأسأل الله تبارك وتعالى أن يرفع درجته في عليين، ويُلحقه بآبائه الطيبين الطاهرين، ويجزيه عن العلم وأهله أفضل جزاء المحسنين (المقرر).