بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٩٥ - الاستدلال للإجزاء بقاعدة الميسور والجواب عنه
ولا ريب في أنه خبر نبوي مروي بطرق الجمهور، وله صدر مذكور في الكثير من مصادرهم، ومن ذلك ما رواه مسلم [١] بإسناده عن أبي هريرة قال: (خطبنا رسول الله ٦ فقال: أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا. فقال رجل: أكل عام يا رسول الله فسكت، حتى قالها ثلاثاً. فقال رسول الله ٦ : لو قلت: نعم لوجبت، ولما استطعتم. ثم قال: ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه).
وقد رواه ابن ماجة في سننه [٢] بلفظ: (فإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا)، ورواه النسائي في سننه [٣] بلفظ: (فإذا أمرتكم بالشيء فخذوا به ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)، ورواه البيهقي في سننه [٤] بلفظ: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم) .. إلى غير ذلك من الألفاظ المذكورة في مصادرهم.
وأياً كان لفظ هذا الحديث فإن من الواضح بملاحظة صدره المذكور آنفاً أنه ناظر إلى أفراد الأعمال المأمور بها لا إلى أجزائها، أي المقصود به هو الحث على الإتيان بما يتمكن منه المكلف من أفراد ما يؤمر بالإتيان به لا الحث على الإتيان بما يتمكن منه من أجزاء العمل المأمور به.
ولا يبعد أن يكون هذا الحديث ـ إن صح صدوره من النبي ٦ ـ مسوقاً لإفادة استحباب تكرار ما يجب على نحو صرف الوجود من الحج ونحوه من أعمال البر والخير.
وعلى كل حال فهو بعيد كل البعد عن المعنى الذي فهمه فقهاء الجمهور وبعض فقهائنا من مطلوبية الإتيان ببعض المأمور به عند تعذر أو تعسر الإتيان بتمامه، ليكون دالاً على ما سمّوه بـ(قاعدة الميسور).
[١] صحيح مسلم ج:٤ ص:١٠٢.
[٢] سنن ابن ماجة ج:١ ص:٣.
[٣] سنن النسائي ج:٥ ص:١١٠ـ١١١.
[٤] السنن الكبرى للبيهقي ج:١ ص:٢١٥.