بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٣٤ - المسألة ٣٦٣ حكم ما إذا ترك الإحرام للحج عالماً عامداً
الاستمرار فإنه لا يدل على الوجوب بل على مجرد ارتفاع ذلك الأمر، ولما كان قد ورد في النصوص الأمر بتكرار التلبية من حين الإحرام فالأمر بالقطع عند زوال الشمس من يوم عرفة لا يدل على الوجوب.
وثانياً: إنه لو سُلّم ذلك فإن الأمر بالقطع إنما هو بالنسبة إلى من لبى وأحرم من قبل فأمر بأن يقطع التلبية عند زوال الشمس من يوم عرفة، وأما من لم يحرم من قبل لسبب من الأسباب فلا يستفاد من هذه النصوص عدم مشروعية الإحرام له.
وأما صحيحة علي بن جعفر فقد تقدم أنها لا تدل على عدم وجوب الإتيان بالتلبية على الناسي، فلا وجه للاستشهاد بها في المقام، فليراجع.
والحاصل: أن ما ذكر من دلالة صحيحة جميل أو روايات قطع التلبية عند الزوال في يوم عرفة على عدم مشروعية الإحرام لحج التمتع بعد الزوال غير تام.
وعلى ذلك يمكن أن يقال: إن مقتضى إطلاقات الأمر بالإحرام لحج التمتع هو جواز الإحرام له لمن تكون وظيفته الوقوف الاضطراري بعرفات حتى بعد غروب الشمس من يوم عرفة، ولمن وظيفته الوقوف الاختياري في المشعر حتى طلوع الفجر من يوم العيد.
وأما ما أفاده السيد الأستاذ (قدس سره) من أن مقتضى نصوص الاجتزاء للمعذور بإدراك اضطراري عرفات أو اختياري المشعر بمقتضى إطلاقها هو جواز أن يأتي بالإحرام ولو بعد زوال الشمس من يوم عرفة فهو مما لا يمكن المساعدة عليه، لأن النصوص المذكورة ليست في مقام البيان من هذه الجهة فلا ينعقد لها الإطلاق بالنسبة إليها [١] .
[١] بل يمكن أن يقال: إنه لا إطلاق لها لتشمل من فاته الوقوف الاختياري بعرفات أو الوقوف بها مطلقاً وهو غير محرم، فإن مورد بعضها هو خصوص من كان محرماً فلم يدرك الوقوف الاختياري بعرفات أو لم يدرك حتى الوقوف الاضطراري بها كصحيحة الحلبي (تهذيب الأحكام ج:٥ ص:٢٨٩)، وصحيحة معاوية بن عمار (تهذيب الأحكام ج:٥ ص:٢٩٠)، وبعضها الآخر كصحيحة معاوية بن عمار: «من أدرك جمعاً فقد أدرك الحج» (تهذيب الأحكام ج:٥ ص:٢٩٤» ، ومعتبرة عبد الله بن مسكان: «من أدرك المشعر فقد أدرك الحج» (اختيار معرفة الرجال ج:٢ ص:٦٨٠) مسوق لبيان أن عدم الوقوف بعرفات لا يضر بصحة الحج خلافاً للجمهور، فلا ينعقد لها إطلاق يقتضي إدراك الحج بإدراك الوقوف في المزدلفة ولو بالنسبة إلى من لم يكن محرماً قبل حلول وقته.
وعلى ذلك يمكن الحكم ببطلان حج من كان معذوراً عن إدراك الوقوف الاختياري بعرفات ولم يحرم حتى حلّ وقت الوقوف الاضطراري بها، ومن كان معذوراً عن الوقوف بعرفات مطلقاً ولم يحرم حتى حلّ وقت الوقوف في المزدلفة، وذلك من جهة قصور الدليل على كفاية إدراك الوقوف الاختياري في المزدلفة أو مع الوقوف الاضطراري في عرفات لمثلهما، لا من جهة عدم الدليل على مشروعية الإحرام بعد زوال الشمس من يوم عرفة ليقال: إنه يمكن إثباتها بإطلاقات الأمر بالإحرام لحج التمتع بعد عدم المقيد لها فيما هو محل البحث، فليتأمل.