بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٦٤٨ - بحوث قاعدة التقية
هذا وبنى بعضهم على كون وجوب التقية نفسياً، بدعوى أن المستفاد من إطلاقات الأدلة وجوبها عند خوف الضرر سواء ترتب على تركها الضرر أم لا، وأما ما ذكر فيها من حقن الدماء وغير ذلك فإنما هو من قبيل الحكمة لا العلة التي يدور مدارها الحكم وجوداً وعدماً.
ولكن هذا الكلام محل نظر، لأن خوف الضرر يعدّ في سائر الموارد طريقاً شرعياً أو عقلائياً إلى الضرر أو بمنزلة الطريق إليه، فلا ينعقد الإطلاق لأدلة التقية ليقتضي موضوعية الخوف في موردها بحيث لو خالفها ثم تبين أنه لم يكن يتضرر بتركها يكون آثماً بمخالفته ومستحقاً للعقوبة عليها، ولذلك لا تصل النوبة إلى القول بأن جعل الغاية لتشريع التقية هو حقن الدماء ونحوه ـ كما ورد في بعض النصوص ـ يقتضي عدم ثبوتها مع عدم ترتب الضرر واقعاً.
وبالجملة: هذا الوجه لإثبات الوجوب النفسي ضعيف.
وأضعف منه ما قيل من أن فعل التقية مصداق لحفظ النفس فيكون واجباً، وليس هنا من المقدمية عين ولا أثر.
فإنه مضافاً إلى عدم انطباق عنوان حفظ النفس في كثير من الموارد التي تقتضي التقية فعل شيء أو تركه كما لا يخفى، يمكن أن يقال: إنه لم يقم دليل على وجوب حفظ النفس بهذا العنوان، بل المستفاد من الأدلة هو حرمة التسبب في هلاك النفس وما بحكمه من الضرر البليغ ـ إلا في ما استثني كمورد الجهاد ـ وترك الحفظ إن عُدّ ضرباً من التسبب في ذلك لزم الحفظ وإلا لم يلزم، فليتدبر.
ثم إن الشيخ الأعظم (قدس سره) خص التقية الواجبة ـ كما تقدم ـ بـ(ما كان لدفع الضرر الواجب فعلاً) وهذا يحتاج إلى بعض التوضيح فأقول: إن من الأضرار ما يجب دفعه والتحفظ عنه، أما بالنسبة إلى الشخص نفسه فمنه حفظ حياته وحفظ بدنه من الضرر البليغ كقطع الأعضاء ونحو ذلك، وحفظ عرضه