بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٧٤٤ - بحوث قاعدة التقية
مرجع التقليد في الموضوعات المستنبطة إلى التقليد في الأحكام المترتبة عليها، فيكون جائزاً بمقتضى أدلة جواز التقليد في الأحكام مما لا يمكن المساعدة عليه، فإن الموضوع المستنبط العرفي وإن كان محلاً للتقليد ـ خلافاً للسيد صاحب العروة (قدس سره) ـ أي أنه مما يصح أن يرجع فيه إلى أهل الخبرة، لأنه كسائر الأمور النظرية التي جرت سيرة العقلاء الممضاة من قبل الشارع المقدس على الرجوع فيها إلى أهل الخبرة والاختصاص، إلا أنه إنما يجوز الرجوع فيه إلى الفقيه من حيث كونه من أهل الخبرة بتشخيصه، بل الغالب في الفقهاء أنهم أكثر خبرة من غيرهم بتشخيص المعاني العرفية للألفاظ المستعملة في الكتاب والسنة، وما كانت ظاهرة فيها من المعاني في عصر الصدور، لكونهم أكثر استئناساً بموارد استعمالها كما لا يخفى.
وبالجملة: الرجوع إلى الفقيه في تشخيص الموضوع المستنبط العرفي إنما يجوز من حيث كونه خبيراً بتشخيصه، ولا يجوز تقليده في الحكم المترتب على ذلك الموضوع بمعزل عن كونه من أهل الخبرة في ذلك.
وبذلك يعرف أنه إذا كان المقلَّد من أهل الخبرة في تشخيص معنى (الليل) مثلاً، وكان رأيه عدم صدق عنوانه في عصر نزول القرآن الكريم إلا عند زوال الحمرة المشرقية، ولكن كان مرجعه في التقليد يرى صدقه آنذاك بسقوط القرص، ولذلك كان يفتي بجواز الإفطار عندئذٍ، لا يجوز للمقلد الأخذ بفتواه والإفطار بمجرد غروب الشمس، لاعتقاده حسب الفرض بخطأ فتواه بذلك.
وهكذا إذا كان هناك من هو أعلم من الفقيه المتصدي للإفتاء بتشخيص الموضوعات المستنبطة العرفية، وكان رأيه على خلاف رأي الفقيه في تحديد المراد بالليل عرفاً، لا يجوز الأخذ برأي الفقيه فيه والعمل بفتواه مطابقاً لذلك.
والحاصل: أن التقليد في الموضوعات المستنبطة العرفية وإن كان أمراً مقبولاً ـ بل لا محيص عنه في الجملة ـ ولكن ليس من حيث كونه مساوقاً للتقليد في الحكم الشرعي، وبذلك يعلم أن التقية بموافقة المخالفين في الموضوع المستنبط العرفي ليست من التقية بموافقتهم في الحكم الشرعي.