بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٨٢ - الجواب التفصيلي عنها
ومما يؤكد التشدد في أمر هلال ذي الحجة في العصر العباسي ما حكاه ابن عبد الحكم المصري [١] المتوفى عام (٢٦٨ هـ) قائلاً: (رأيت أهل مكة يذهبون في هلال الموسم في الحج مذهباً لا ندري من أين أخذوه، إنهم لا يقبلون في الشهادة في هلال الموسم إلا أربعين رجلاً، وقيل عنهم خمسين).
وقال سند ـ وهو من فقهاء المالكية ـ بعد أن ذكر كلام ابن عبد الحكم: (وعندي أنهم رأوا شأن الحج من أعظم العبادات البدنية، وأعظم الحقوق يعتبر فيه خمسون رجلاً، وهو القسامة في الدم).
ولكن لا يبعد أن عدم اعتمادهم في ثبوت هلال الموسم إلا على شهادة عدد كبير من المستهلين لم يكن لخصوصية في هلال ذي الحجة، بل من جهة عدم قبول شهادة اثنين برؤية الهلال في حال الصحو وخلو السماء من العلة.
ومهما يكن فإنه شاهد قوي على مدى التشدد في أمر الهلال ـ ولا أقل هلال ذي الحجة ـ في العصر العباسي.
ثم إن السيطرة العباسية على مكة المكرمة انتهت في عام (٣٥٨ هـ) حيث انتقل الحكم إلى الفاطميين، إذ استولى على مكة جعفر بن محمد بن الحسن من أحفاد الإمام الحسن المجتبى ٧ ، ودعا للمعز لدين الله الفاطمي صاحب مصر فكتب له بولايتها، فابتدأت بذلك حكومة الأشراف عليها. ثم أصبحت تابعة لحكم الدولة المملوكية إلى أن استولى السلطان سليم العثماني على مصر عام (٩٢٢ هـ)، فدخلت مكة تحت نطاق السيادة العثمانية سلمياً ولكن بقي حكم الأشراف فيها إلى أن سقطت الدولة العثمانية، ثم سقط حكم الأشراف وآلت الأمور إلى آل سعود أتباع محمد بن عبد الوهاب.
هذا بحسب التبعية السياسية، وأما بحسب التبعية المذهبية فالمستحصل من كلمات المؤرخين أن كثيراً من الأشراف كانوا من الشيعة الزيدية، وبعضهم كانوا من أتباع المذهب الشافعي في عهد الدولة المملوكية. وأياً كانت مذاهبهم فإن مناصب القضاء وإمارة الحج وإمامة المسجد الحرام ونحوها كانت موزعة بين
[١] مواهب الجليل لشرح مختصر خليل ج:٣ ص:٢٨٠.