بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٨١ - الجواب التفصيلي عنها
شوال حسب الفرض، فكيف جاز له أن يفطر ويقول للإمام: (ليس هذا من أيامك)؟
وأما قوله ٧ : «ما صومي إلا بصومك ولا إفطاري إلا بإفطارك» فقد أراد أن يبين به اتباعه للخليفة في بدء شهر رمضان، أي إن صام لثبوت الهلال عنده صام وإن أفطر لعدم ثبوته عنده أفطر، ولم يرد به أنه يتبعه في صيام الشهر الفضيل وفي الإفطار في نهايته ليتوهم دلالته على تعلق الواقعة بيوم الشك في آخر شهر رمضان، مع أنه حتى على هذا التقدير لا دلالة فيه على ذلك، إذ يجوز أن يكون قوله ٧ : «ولا إفطاري إلا بإفطارك» للتأكيد على تبعيته له في صيام شهر رمضان بدءاً وختاماً وإن لم يتعلق الثاني بمورد تلك الواقعة.
والحاصل: أن الرواية تتعلق ببداية شهر رمضان لا بنهايته، وهي تدل على تأخر ثبوت هلال رمضان عند الخليفة عن ثبوته عند الإمام ٧ مما يكشف عن تشدد الخليفة في أمر الهلال، إذ لو كان يتساهل فيه لتثبت عنده رؤيته لبعض الشهادات التي تتوفر عادة في مثل ذلك، ولا سيما مع ثبوتها عند الإمام ٧ فلم يكن يضطر ٧ إلى الإفطار عنده تقية.
هذا ما كان عليه الحال في أوائل العصر العباسي، وأما بعد ذلك فقد جعلوا الأمور بيد القاضي أبي يوسف ـ وهو من أبرز تلامذة أبي حنيفة ـ وكان متشدداً في ثبوت الهلال في الصحو، فقد ذكر القاساني الحنفي [١] : إنه إن كانت السماء مصحية لا تقبل الشهادة برؤية الهلال ما لم يشهد جماعة يقع العلم للقاضي بشهادتهم، وقدّر أبو يوسف عدد الجماعة بعدد القسامة خمسين رجلاً.
ويبدو أن هذا لم يكن من مختصات أبي يوسف وسائر أتباع أبي حنيفة، بل كان يقول به آخرون أيضاً، فقد حكى ابن عبد البر [٢] عن جمع من أصحاب مالك وغيرهم: (أنه لا يقبل في الصحو إلا الجم الغفير والعدد الكثير، وإنما يقبل الرجلان في علة الغيم وشبهه).
[١] بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ج:٢ ص:٨١.
[٢] الكافي ص:١١٩.