بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢٦٥ - مبدأ وقت الوقوف الواجب بعرفات
فإنما يتم لو كانت الرواية ناظرة إلى الحكم الوضعي، وأما مع كونها ناظرة إلى الحكم التكليفي فلا بد من إحراز إدراك الوقوف في تمام الوقت الواجب، وكونه هو مقدار المسمى أول الكلام، فلا سبيل إلى الاستدلال بالرواية المذكورة لإثبات ذلك.
والحاصل: أنه لا توجد رواية تدل على أن الواجب من الوقوف هو مقدار المسمى الذي لازمه ـ كما تقدم ـ أنه إذا تعمد التأخير في الوقوف إلى قبيل غروب الشمس أو قبيل ذهاب الحمرة المشرقية بمقدار دقيقة أو دقيقتين ونحو ذلك يكون قد أدى تمام ما يجب عليه من الوقوف بعرفات. فالعمدة إذاً في البناء على ذلك هو أصالة البراءة، بعد عدم إطلاق يقتضي الوقوف أزيد من المسمى.
ولكن الإنصاف أنه لا سبيل إلى الرجوع إليها، بل ينبغي الاطمئنان بفساد ذلك كما ذكره الشيخ صاحب الجواهر (قدس سره) . والوجه فيه أن سيرة المسلمين من الفريقين المتصلة بزمن النبي ٦ وسائر المعصومين : جارية على الوقوف في عرفات شطراً كبيراً من بعد زوال الشمس من يوم عرفة، ولا يرى التخلف عن ذلك والاقتصار على مقدار المسمى إلا بالنسبة إلى المعذور من المريض ومن ضاق وقته ونحوهما، وأما غير المعذور فلا يكاد يتخلف عن الحضور في عرفات بعد الزوال ولو بساعة أو ساعتين أو نحو ذلك ولمدة معتد بها، ولو كان الواجب هو مقدار المسمى بقدر دقيقة أو دقيقتين ولو قبيل الغروب لما أطبق المسلمون من غير ذوي الأعذار على الوقوف لوقت طويل، فإن الأمر المستحب لا يطبق المسلمون على الإتيان به مهما كان استحبابه مؤكداً، بل يلاحظ تخلف نسبة غير قليلة منهم عن أدائه. فهذا أوضح شاهد على أن الواجب من الوقوف بعرفات أزيد من مقدار المسمى [١] .
[١] تجدر الإِشارة إلى أن المحقق النراقي (قدس سره) حكى في (مستند الشيعة ج:١٢ ص:٢١٩ـ٢٢٠) القول بكفاية المسمى عن بعض مشايخه، وعلق عليه بقوله: (وهو حسن لولا ما مرّ من الأمر بأخذ المناسك عنه وعدم اكتفائه بالمسمى أبداً، سيما في الجزء الأخير من اليوم اللازم كونه هو الواجب، لما مرّ من وجوب الانتهاء إلى الغروب، ولكن مع ذلك فلا وجه للاكتفاء بالمسمى، سيما مع ندرة القول به، بل لا بُعد في جعل خلافه إجماعياً).
أقول: قوله ٦ : «خذوا عني مناسككم» لم يرد من طرقنا وإنما رواه الجمهور، كما أشار إلى ذلك السيد المرتضى في (الانتصار ص:٢٥٤)، فالاستدلال به غير موجه، وكذلك الإجماع، فإنه يصعب التأكد منه على وجه يكون حجة. فالعمدة ما ذكرناه من السيرة العملية القطعية، فليلاحظ.