بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٥٠ - المسألة ٣٦٤ حكم طواف المتمتع بعد إحرام الحج وقبل الخروج إلى عرفات
وأما إذا بني على الوجه الثاني في مفاد معتبرة إسحاق فيمكن أن يقال بدواً: إن مقتضى الجمع العرفي بين الروايات هو البناء على ناقضية الطواف للإحرام إلا بالنسبة إلى الجاهل بالحكم، وذلك لأن ظاهر صحيحة حماد هو الناقضية ـ كما مرّ ـ وهي مطلقة تعم العالم والجاهل، ولكن معتبرة إسحاق تدل وفق الوجه الثاني على عدم الناقضية بالنسبة إلى الجاهل، فهي أخص مطلقاً منها، ومقتضى الصناعة هو حمل المطلق على المقيد.
وأما صحيحة الحلبي فقد مرّ أنها وإن دلت على عدم مشروعية الطواف بعد الإحرام إلا أنها لا تنافي كونه ناقضاً للإحرام لو قام الدليل عليه، وهو قائم حسب الفرض بالنسبة إلى خصوص العالم العامد، بمقتضى الجمع بين صحيحة حماد ومعتبرة إسحاق، وأما معتبرة عبد الحميد بن سعيد فقد مرّ أنها على أحد الوجهين في مفادها تقتضي ناقضية الطواف للإحرام إلا بالنسبة إلى الجاهل ومن بحكمه، فهي تنسجم مع مفاد معتبرة إسحاق على الوجه الثاني المذكور.
وعلى ذلك لا يبقى ما يمنع من البناء على كون الطواف ناقضاً ومبطلاً لإحرام الحج إلا بالنسبة إلى الجاهل ومن بحكمه، كالغافل والساهي كما هو مقتضى الجمع بين صحيحة حماد ومعتبرة إسحاق.
ولكن يمكن أن يخدش في هذا البيان بأن احتمال الناقضية موهون جداً، فإن مقتضاها هو أن من أحرم للحج يمكنه أن يأتي بطواف مندوب ليبطل إحرامه، فيصير محلاً يجوز له ارتكاب محرمات الإحرام إلى أن يحرم من جديد. وهذا مما يستبعد الالتزام به، بل أقصى ما يمكن أن يبنى عليه هو أنه إن طاف لم يسعه أداء الأعمال إلا مع تجديد التلبية، وأما أن يكون الطواف كالحلق والتقصير من موجبات الخروج من الإحرام فهو بعيد غايته.
وعلى ذلك يمكن القول بأن وضوح المعنى المذكور في الأذهان كان بمثابة قرينة حالية محتفة بصحيحة حماد تمنع من ظهورها في الإرشاد إلى الناقضية، وأقرب المحتملات في مفادها عندئذٍ هو عدم المشروعية [١] ، وحيث إن صحيحة
[١] قد يقال: إن الأرجح حمله على الإرشاد إلى عدم تأتّي إتمام المناسك بما أتى به من الإحرام من دون تجديد التلبية بعد الطواف، فإن هذا المعنى أقرب إلى الإرشاد إلى الناقضية من الحمل على إرادة عدم المشروعية، إذ يحافظ معه على ظهور النهي الوارد في مورد المركب الارتباطي في الإرشاد إلى الحكم الوضعي. ويؤيده التعبير بالنقض في بعض نصوص المسألة، كقوله في معتبرة عبد الحميد بن سعيد: (أينقض طوافه بالبيت إحرامه؟) فإن الظاهر أنه أراد به المعنى المذكور بعد وضوح عدم إرادة الناقضية الحقيقية، فليتأمل.