بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٦٥٥ - بحوث قاعدة التقية
أقول: التقية لا تتصف بالحرمة التشريعية، فإنها تتحقق في المثالين بالصلاة خلف المخالف وبالمسح على الخفين، وأما قصد الاقتداء في الأول وقصد الوضوء في الثاني ـ المتحقق بهما التشريع المحرم ـ فليسا من مقتضيات التقية، إذ لا سبيل للمتقى منه إلى الاطلاع على ما في نفسه. وعلى ذلك فإن قصد الاقتداء أو الوضوء بالرغم من علمه بعدم الاجتزاء بعمله يكون آثماً بتشريعه ولكنه من قبيل قرن التقية بأمر محرم تشريعاً، ولا تصير التقية محرمة تشريعاً بذلك.
كما أن التقية لا تتصف بالحرمة الذاتية حقيقة، بل أقصى ما هناك هو أن لا تكون رافعة لحرمة الفعل المتقى به كقتل النفس المحترمة، أو أن لا تكون رافعة لوجوب الفعل المتقى بتركه كوجوب صيانة المقدسات، فإنه إذا كان لا يترتب على ترك التقية بارتكاب حرام أو ترك واجب الإخلال بتكليف إلزامي متوجه إلى المكلف لا تكون التقية عذراً في ارتكاب ذلك الحرام أو ترك ذلك الواجب، على تفصيل فيما إذا كان تركها حرجياً أو ضررياً ولو بحدّ لا يحرم تحمله شرعاً كما مرَّ في محله.
وأما إذا كان يترتب على ترك التقية الإخلال بتكليف إلزامي فإنه يقع التزاحم بين الجانبين، وعندئذٍ إذا كان لذلك الحرام أو لذلك الواجب مرجح من مرجحات باب التزاحم ـ كالأهمية ـ لا تكون التقية عذراً أيضاً في ارتكاب الأول أو ترك الثاني، وهذا هو المقصود بحرمة التقية في الصورتين، ومن الواضح أنها لا تعني حرمتها حقيقة بل مجرد عدم كونها عذراً ومسوغاً لارتكاب الحرام أو ترك الواجب.
وبما تقدم يظهر أن اقتصار الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره) على ذكر إراقة الدماء مورداً للتقية المحرمة ليس موجهاً، فإنها بالمعنى المذكور لا تختص بذلك المورد، بل هناك موارد أخرى تحرم فيها التقية أيضاً، ومنها ما إذا توقف حفظ أركان الدين أو دعائم المذهب أو عظائم المقدسات على ترك التقية، فإن التقية لا تكون عندئذٍ عذراً مسوغاً لترك ذلك.
وأيضاً ما صنعه السيد الأستاذ (قدس سره) من ذكر قتل النفس المحترمة في مقابل