بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٦٢٥ - بحوث قاعدة التقية
ويمكن القول بأن إحجام الشيعة عن نصرة أئمتهم : رعاية للتقية كان يؤدي إلى أن يتجرأ خلفاء الجور على التنكيل بهم وقتلهم، لأن من يكون في موقع الإمامة إذا لم يملك عدداً وافراً من الأعوان والأنصار لن تهابه السلطة الجائرة ولا تخشى من القضاء عليه، بخلاف من له أعداد كبيرة من المستميتين في سبيله، فإنها تحسب ألف حساب قبل التعرض له بسوء.
ومن هنا كانت ممارسة التقية من قبل الشيعة وعدم نصرتهم لأئمتهم : نوعاً من الإعانة على قتلهم، ولما لم تكن التقية مسوغة لذلك استند الإمام ٧ إلى كبرى (إذا بلغت التقية الدم فلا تقية) في تقريع الشيعة على عدم نصرتهم لهم : ، فليتدبر.
وبهذا يظهر أن الصحيح في مفاد المقطع المذكور من معتبرة أبي حمزة الثمالي هو ما ذكر في الاحتمال الأول، ويمكن أن تجعل هذه المعتبرة قرينة على إرادة نفس ذلك المعنى من صحيحة محمد بن مسلم أيضاً.
وعلى كل تقدير فإنه يتم الدليل على عدم مشروعية التقية فيما إذا اقتضت إراقة دم الغير على يد المتقي، بل ولو على يد الظالم المتقى منه وفق التفصيل المتقدم آنفاً.
ولذلك لا بد من رفع اليد عن إطلاق دليل نفي الحرج فيما إذا كان ترك التقية المقتضية للإضرار بالغير موجباً للوقوع في الحرج الشديد الذي لا يتحمل عادة بأن يقيد ـ لو بني على إطلاقه في حدّ ذاته ـ بصورة عدم بلوغ الإضرار حد القتل، إذ لا يمكن حمل الروايتين على خصوص مورد عدم كون ترك التقية بالامتناع عن قتل الغير وتعريض النفس للقتل على يد الظالم حرجياً على المكلف، فإن هذا من قبيل الحمل على الفرد النادر، لوضوح أن تحمل القتل في سبيل عدم إراقة دم الغير حرجي جداً بالنسبة إلى عموم الناس إلا النادر منهم.
وهكذا يتضح أنه لا بد من البناء على عدم مشروعية التقية في الدماء حتى على القول الثاني المتقدم كما هو الحال على القولين الآخرين [١] .
[١] قال السيد الأستاذ (دامت تأييداته) في مقام البحث هنا بمناسبة حلول شهر المحرم: (ويجدر بنا ونحن نستذكر في أيام المحرم نهضة سيد الشهداء وأهل بيته وأصحابه : أن نستذكر معهم من اقتدوا بهم في هذا الزمان من إخواننا المقاتلين في الجبهات الذين استرخصوا دماءهم في الدفاع عن الأرض والعِرض والمقدسات، فأثبتوا أنهم بحق أنصار الإمام الحسين ٧ . أولئك الرجال الرجال، الذين (صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ) . ينبغي أن نذكرهم وندعو لهم بالحفظ والثبات والنصر، ونتذكر شهداءهم ونستغفر لهم ونترحم عليهم ونزور عنهم، ونتفقد جرحاهم وعوائل الشهداء ونرعاهم حسب الإمكان. إن حقوقهم علينا عظيمة، ولا أظن أن بإمكاننا ـ مهما عملنا ـ أن نفي لهم بها. جزاهم الله عن الإسلام وعن نبيه ٦ وعن أهل بيت نبيه : أحسن الجزاء، والحمد لله رب العالمين) (المقرر).