بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٦١٤ - بحوث قاعدة التقية
للامتنان على البعض الآخر.
(الوجه الرابع): دليل رفع الحرج.
ومبنى الاستدلال به هو أن إلزام المتقي بتحمل الضرر ـ بترك التقية ـ في نفسه أو بدنه أو عرضه أو ماله تجنباً عن إضرار الغير حرجي عليه، فيمكن نفيه بدليل نفي الحرج. أقصى الأمر أنه ثبت بالنص والإجماع أن الحرج مهما بلغ لا يرتفع به حرمة الإضرار بالغير إذا كان بالغاً حدّ إراقة دمه، فلا محيص من تقييد دليل نفي الحرج في هذا المورد، ولكنه لا يمنع من الأخذ بإطلاقه في سائر موارد الإضرار بالغير.
وقد يجاب عن هذا الاستدلال بأن قاعدة نفي الحرج امتنانية بلحاظ النوع فلا يشمل ما إذا كان تطبيقها في موردٍ خلاف الامتنان على بعض أفراد الأمة، نظير ما مرّ في حديث رفع الإكراه.
ولكن يمكن أن يناقش فيه بأنه لو كان الدليل على قاعدة نفي الحرج هو قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) لأمكن أن يدعى أنه مثل حديث الرفع في ذلك، بلحاظ أن مرجع الضمير في قوله: (عليكم) هو خصوص المسلمين، بقرينة ذيل الآية الكريمة: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) .
ولكن قد ذكرنا في محله أن الدليل على القاعدة المذكورة هو قوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا) ، ومن الظاهر أنه ليس فيه ما يقتضي الاختصاص بما إذا لم يكن في نفي الحكم الحرجي ما ينافي الامتنان على الغير.
وقد يجاب عن الاستدلال المذكور بوجه آخر، وهو أن قاعدة نفي الحرج تختص بالواجبات ولا تشمل المحرمات، كما ذكر ذلك السيد الحكيم (رضوان الله عليه) [١] وعلى ذلك فلا مجال لتطبيقها في مورد حرمة الإضرار بالغير.
ولكن الصحيح أنه لا فرق بين الواجبات والمحرمات في شمولها لقاعدة نفي الحرج.
[١] مستمسك العروة الوثقى ج:١٤ ص:٢٤٧.