بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٦١١ - بحوث قاعدة التقية
المناط في المفهوم هو بإضافة أداة النفي إلى التالي معلقاً على انتفاء المقدم.
مثلاً: إذا قيل: (إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شيء) كان مفهومه (إذا لم يبلغ الماء قدر كر فليس مما لا ينجسه شيء)، أي أنه ينجسه بعض الأشياء في الحد الأدنى، وليس مفهومه أنه ينجسه كل شيء سواء كان ذلك الشيء نجساً أو متنجساً على اختلاف أنواعهما.
وعلى ذلك فمفهوم صحيحة محمد بن مسلم هو أن التقية إذا لم تبلغ الدم تكون مشروعة في الجملة لا أنها مشروعة مطلقاً.
ولكن هذه المناقشة وإن تمت إلا أنها إنما تقتضي عدم الإطلاق للمفهوم المذكور في جانب المتقى منه لا في جانب المتقى به، ولأجل ذلك لا تصلح الصحيحة دليلاً لمرام الشيخ الأعظم (قدس سره) الذي التزم بأنه تباح أعراض الناس وأموالهم ولو بلغت ما بلغت كثرة وعظمة للتحرز عن الضرر ولو بكلمة خشنة، لأنه مبني على انعقاد الإطلاق للمفهوم من الجانبين المتقى منه والمتقى به جميعاً.
غير أن الذي يكفي دليلاً على ما هو محل البحث في المقام هو انعقاد الإطلاق له من جانب المتقى به، أي ثبوت التقية ولو في الجملة وإن كان المتقى به مما يتضرر به الغير في بدنه أو ماله أو عرضه، وهذا مما لا محل للخدش فيه.
وبعبارة أخرى: كما أنه يمكن إثبات تنجس الماء ولو ببعض النجاسات فيما إذا لم يبلغ الكر سواء أكان من قبيل ماء الحوض أو ماء البئر أو الماء الجاري، لإطلاق مفهوم قوله ٧ : «إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شيء» ، كذلك يمكن إثبات مشروعية التقية ولو في الجملة في كل ما لا يبلغ دم الغير وإن بلغ الإضرار ببدنه أو عرضه أو ماله بإطلاق المفهوم في صحيحة محمد بن مسلم، وهذا هو المطلوب، فليتدبر.
(الوجه الثاني): حديث رفع الإكراه.
ومبنى الاستدلال به هو صدق الإكراه ـ الذي يراد به كما سبق الإلجاء الناشئ من الوعيد على الترك بما يضر الشخص ـ ولو كان المكره عليه هو الإضرار بالغير، أقصى الأمر أنه يعتبر في صدقه كون الضرر المتوجه إلى نفسه