بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٦٤ - اعتبار النية في الوقوف بعرفات
وكفى هذا دليلاً على عبادية الوقوف بعرفات.
ولو غض النظر عنه فيمكن أن يقال: إن المرتكز لدى المتشرعة خلفاً عن سلف إلى عصر المعصومين : أن جميع أجزاء الحج والعمرة إنما هي عبادية، يؤتى بها بقصد الخضوع لله سبحانه وتعالى، وهذا الارتكاز المتشرعي لا يكون عادة إلا مع تلقي ذلك عنهم (صلوات الله عليهم)، وحيث إن الوقوف بعرفات من واجبات الحج بل من أهم واجباته لزم فيه قصد القربة.
ويضاف إلى هذا كله ما ورد في النصوص من ترتب الثواب الجزيل على الوقوف بعرفات، مما لا يناسب أن يكون مجرد حضور فيها ولو من دون قصد القربة [١] ، فإنه ليس عملاً يتطلب جهداً بدنياً أو بذلاً مالياً حتى يناسب أن يكون له ثواب في حدّ ذاته، بل إن مقدار الثواب المذكور له هائل جداً بحيث لا يناسب إلا العمل العبادي.
ومن تلك النصوص معتبرة معاوية بن عمار [٢] عن أبي عبد الله ٧ قال: «الحاج حملانه وضمانه على الله، فإذا دخل المسجد الحرام وكل به ملكان يحفظان عليه طوافه وسعيه، فإذا كانت عشية عرفة ضربا على منكبه الأيمن ثم يقولان: يا هذا أما ما مضى فقد كفيته فانظر كيف تكون في ما تستقبل» .
وفي معتبرة أخرى لمعاوية بن عمار [٣] عن أبي عبد الله ٧ قال: قال علي بن الحسين ٨ : «أما علمت أنه إذا كانت عشية عرفة برز الله في ملائكته إلى سماء الدنيا، ثم يقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً، أرسلت إليهم رسولاً من وراء وراء، فسألوني ودعوني. أُشهدكم أنه حق عليّ أن أجيبهم اليوم، قد شفعت محسنهم في مسيئهم، وقد تقبلت من محسنهم، فافيضوا مغفوراً لكم ..» .
[١] وأما احتمال أن لا يعتبر قصد القربة في أصل الوقوف وإنما في ترتب الثواب المذكور عليه فهو ضعيف، فإن المنساق من النصوص المذكورة كون الثواب الوارد فيها مترتباً على الوقوف الذي يجتزأ به في أداء الحج، لا على خصوص ما اشتمل على خصوصية معينة لا تعتبر في الاجتزاء به، فليتأمل.
[٢] المحاسن ج:١ ص:٦٣.
[٣] المحاسن ج:١ ص:٦٥.