بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٦٠٩ - بحوث قاعدة التقية
المؤمن فإذا كانت تؤدي إلى إزهاق نفس مؤمن آخر فلا مشروعية لها عندئذٍ، وهذا هو المشهور في مفادها خلافاً لما استظهره المحقق الإيرواني (قدس سره) [١] من أن المراد بها هو أن التقية قد شرعت لغاية حفظ النفس فإذا لم تتحقق هذه الغاية بل كان الشخص مقتولاً لا محالة اتقى أو لم يتق فلا مشروعية لها.
فعلى الوجه المشهور يمكن أن يقال [٢] : إن من الواضح أن الغاية من تشريع التقية لا تنحصر في حفظ النفس بل إن حفظ البدن والعرض والمال يعدّ أيضاً من غايات تشريعها، فلا بد إذاً من أن يحمل ما ورد في الصحيحة على كونه من باب المثال ويبنى على أنه إذا اقتضت التقية التعدي على بدن الغير أو ماله أو عرضه يكون الحكم كما لو اقتضت إزهاق نفس الغير في عدم مشروعية التقية، وهذا هو المطلوب.
ولكن لو تم الوجه المشهور في مفاد الصحيحة ـ وهو محل بحث كما سيأتي ـ فإن هذا البيان لا يقتضي عدم مشروعية التقية في ما يمس حقوق الآخرين ويوجب الإضرار بهم مطلقاً، بل أقصى ما يقتضيه هو أن لا تجوز التقية لحفظ الشخص مال نفسه بالتصرف في مال الغير، وكذلك حفظ الشخص عرض نفسه بالاعتداء على عرض الغير. وأما أنه لا تجوز التقية لحفظ الشخص عرضه بالتصرف في مال الغير ـ مثلاً ـ فمما لا يقتضيه البيان المتقدم، كما لعله واضح.
(القول الثاني): أنه تجوز التقية بما يضر الغير مطلقاً، إلا أن يقتضي إراقة دمه فلا تشرع عندئذٍ.
وهذا هو الذي يظهر من الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره) [٣] حيث قال في معرض كلامه عما يباح بالإكراه: (إنما الإشكال في أن ما يرجع إلى الإضرار بالغير من نهب الأموال وهتك الأعراض وغير ذلك من العظائم هل يباح كل ذلك بالإكراه، ولو كان الضرر المتوعد به على ترك المكره عليه أقل بمراتب من
[١] حاشية المكاسب ج:١ ص:٤٨.
[٢] لاحظ مصباح الفقاهة ج:١ ص:٦٥٤.
[٣] المكاسب ج:٢ ص:٨٦ـ٨٧.