بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٦٢ - بحوث قاعدة التقية
والظاهر أنه لا خلاف بين المسلمين في كون التقية محللة للقول المحرم من قبيل ما ذكر، إلا ما شذ به بعض الخوارج من عدم الالتزام بذلك كما تقدم النقل عنهم. وقد نص المفيد (قدس سره) [١] على أن التقية جائزة في الأقوال كلها عند الضرورة، ومثله ما ذكره الطبرسي (قدس سره) [٢] ، وظاهره اتفاق أصحابنا عليه. ولكن ربما يظهر من أبي الصلاح الحلبي (قدس سره) [٣] أنه لا يقول بمشروعية التقية في الكذب حيث قال: (إن أفعال الجوارح على ضربين: أحدهما ما لا يؤثر فيه الإكراه وهو القبائح الفعلية كلها كالظلم والكذب، لأنها إنما قبحت لما عليه، ولا تعلق لها بغيرها، فلا يجوز أن يؤثر فيها الإكراه حسناً).
وهذا الكلام ضعيف، فإن الكذب ليس كالظلم مما يحكم العقل بقبحه بذاته، بل هو مما يرتفع قبحه بطروّ العناوين الثانوية كالإكراه والتقية، وهذا واضح.
ومهما يكن فإنه يكفي دليلاً على حلية القول المحرّم ـ كذباً كان أو غيره ـ عند التقية ما تقدم من صحيحة الفضلاء: «التقية في كل شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله له» ، وفي لفظ آخر: «التقية في كل شيء، وكل شيء اضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله له» ، وكذلك صحيحة زرارة: «التقية في كل ضرورة» ، وحديث نفي الضرر، فإن إطلاق هذه الروايات تفي بإثبات مشروعية التقية في الأقوال مطلقاً، واستثناء شيء منها يحتاج إلى الدليل.
ويضاف إلى المطلقات المذكورة ما ورد من الترخيص في التقية في خصوص بعض الموارد، كالتلفظ بكلمة الكفر وسب الإمام ٧ والفتوى بخلاف الواقع، ومدح الظالمين وغير ذلك.
ومما ورد في المورد الأخير ما رواه الكشي [٤] بإسناده عن درست بن أبي منصور قال: كنت عند أبي الحسن موسى ٧ وعنده الكميت بن زيد. فقال
[١] أوائل المقالات ص:١١٨.
[٢] مجمع البيان في تفسير القرآن ج:٢ ص:٢٧٣.
[٣] الكافي في الفقه ص:٢٧٠ (بتصرف يسير).
[٤] اختيار معرفة الرجال ج:٢ ص:٤٦٥.