بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٢٦ - هل الاختلاف بين الموقفين الرسمي والشرعي في كثير من السنين مبني على القول بعدم كفاية الرؤية في بلد لبلد آخر مع التباعد بينهما؟
وإلا فالأصل العملي، كما هو الحال بناءً على عدم تمامية أدلة أي من القولين.
وعلى ذلك فينبغي الكلام في مقامين ..
المقام الأول: في الأصل اللفظي.
وقد يقال: إن مقتضى إطلاق قوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) هو كفاية الرؤية في أي مكان في دخول شهر رمضان في جميع الأمكنة، لأن المراد بشهود الشهر هو أن يدركه المكلف لا أن يرى هلاله، فإن الشهر وإن كان اسماً للقمر سمي به لشهرته وظهوره إلا أنه أطلق على ما بين الهلالين لأنه يشتهر بالقمر وفيه علامة ابتدائه وانتهائه كما ذكروا ذلك في المعاجم اللغوية [١] ، ولا ريب في أن المراد بالشهر في الآية الكريمة هو الشهر بمعنى ما بين الهلالين، لأن الألف واللام فيه للعهد، والمقصود به هو شهر رمضان المذكور في صدر الآية المباركة: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ) ، ومن المعلوم أن الشهر يبدأ بخروج القمر من تحت الشعاع وظهور قوس الهلال، فإن به تبدأ دورة جديدة في حركة القمر حول الأرض، فإذا رئي الهلال في مكان ما كشف ذلك عن دخول الشهر الجديد ويصدق على المكلف أين ما كان أنه شهده فتتوجه إليه أحكامه ومنها صوم شهر رمضان.
ولكن هذا البيان لا يمكن المساعدة عليه، فإنه لم يثبت أن الشهر عند العرف هو ما بين الهلالين أينما ظهرا، فإن هذا هو ما يمكن أن يسمى بالشهر القمري الفلكي، أي إذا خرج القمر من تحت الشعاع وولد الهلال فكان قابلاً للرؤية في مكان ما كأمريكا يبدأ الشهر الفلكي، وينتهي إذا خرج مرة أخرى من تحت الشعاع وولد الهلال فكان قابلاً للرؤية في مكان ما كأستراليا في هذه المرة.
وأما الشهر القمري العرفي فيجوز أن يكون كالليل والنهار أمراً نسبياً يختلف بدؤه وانتهاؤه باختلاف الأمكنة، بل يمكن أن يقال: إنه لا محيص من الالتزام بهذا فإن مقتضى عدم النسبية هو أن يبني العرف على أنه برؤية الهلال في مكان ما يدخل شهر رمضان في جميع الأماكن حتى لو كان الزمان فيها نهاراً
[١] المحكم والمحيط الأعظم ج:٤ ص:١٨٥.