بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١١٦ - حكم ما إذا نسي الإحرام من مكة ولم يتذكر إلا وهو في عرفات
حجه لصحيحة علي بن جعفر [١] عن أخيه موسى ٧ قال: سألته عن رجل نسي الإحرام بالحج فذكر وهو بعرفات ما حاله؟ قال: يقول: «اللهم على كتابك وسنة نبيك فقد تم إحرامه» .
وهل يلزمه الإتيان بالتلبية عند التذكر أو أنها تسقط عنه كما تسقط القراءة عن الناسي إذا لم يتذكر إلا بعد الدخول في الركوع؟
فيه وجهان، والأوجه عدم السقوط خلافاً لبعض الأعلام (طاب ثراه) [٢] ، ومرّ بيان الوجه فيه في شرح المسألة (١٧٥) [٣] .
هذا إذا لم يتسع له الوقت للعود إلى مكة والإحرام منها ثم إدراك مسمى الوقوف في عرفات، وأما إذا اتسع الوقت لذلك فقد يقال بأن مقتضى إطلاق صحيحة علي بن جعفر المتقدمة عدم لزوم الرجوع في هذه الحالة أيضاً، لأنه وإن كانت المسافة بين عرفات ومكة تبلغ أربعة فراسخ وكان طيها ذهاباً وإياباً بالسير المتعارف على المراكب التي كانت متاحة في ذلك العصر يستغرق بياض يوم فلا يتيسر العود ثم المجيء مرة أخرى إلى عرفات وإدراك مسمى الوقوف الاختياري فيها، إلا أن من المؤكد أنه كان من المراكب في ذلك العصر ما يمكن أن تطوى به تلك المسافة بالسير غير المتعارف بنصف يوم ـ مثلاً ـ كما ورد ذلك في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج [٤] «أن بياض يوم يختلف فيسير الرجل خمسة عشر فرسخاً في يوم» ومن المعلوم أن المطلق يشمل الأفراد النادرة وإنما لا يمكن حمله عليها فقط [٥] .
[١] تهذيب الأحكام ج:٥ ص:٤٧٦.
[٢] التهذيب في مناسك العمرة والحج ج:٢ ص:١٢٩.
[٣] لاحظ ج:١٠ ص:٨٢٦ ط:٢.
[٤] تهذيب الأحكام ج:٤ ص:٢٢٢.
[٥] تجدر الإشارة إلى أنه ورد في التعاليق المبسوطة (ج: ١٠ ص: ٤٢٥) أنه حتى لو فرض عدم وقوع الحالة المذكورة في زمان الإمام ٧ مطلقاً إلا أنه لما كان ٧ في مقام بيان الحكم الكلي العام بدون خصوصية لزمن صدوره، فلو كان الحكم مختصاً بغير المتمكن من الرجوع لكان عليه أن ينصب قرينة على ذلك، فإذ لم ينصب قرينة عليه دل على كونه مطلقاً يشمل حتى المتمكن من الرجوع إلى مكة والإحرام منها ثم العود إلى عرفات للوقوف فيها.
ولكن هذا الكلام غير تام، فإنه مبني على أن يكون المتكلم ملتزماً بأن يلاحظ في كلامه ما يقع قطعاً أو احتمالاً محلاً للابتلاء ولو في الأزمنة البعيدة جداً، إلا أن هذا غير ثابت في طريقة العقلاء، أي ليس المتكلم ملزماً عندهم بنصب القرينة على عدم شمول الحكم لما لا يعمّه من الأفراد غير المقدورة فعلاً وفي المستقبل المنظور، إذا كان يعلم أو يحتمل صيرورتها مقدورة للأجيال القادمة ولو بعد ألف سنة مثلاً، فإن من يتتبع طريقة أبناء المحاورة يجد أنه ليس بناؤهم على انعقاد الإطلاق للكلام بالنسبة إلى مثلها من الأفراد غير المقدورة إلا مع نصب القرينة على خلافه، فليلاحظ.