بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٦٠٨ - بحوث قاعدة التقية
(الموضع الثالث): في القول أو الفعل المحرم الذي يمس شيئاً من حقوق الناس، كما لو اقتضت التقية أن يدلي بشهادة باطلة تستتبع الإضرار بمسلم في نفسه أو بدنه أو عرضه أو ماله، أو اقتضت إراقة دم مسلم أو الإضرار ببدنه بجرح أو ضرب أو غيرهما أو التصرف في أمواله بغير إذنه أو هتك حرمة عرضه بالاغتصاب أو نحوه.
وفي هذا القسم من المحرمات عدة أقوال أهمها ثلاثة ..
(القول الأول): أنه لا تجوز فيها التقية مطلقاً.
وهذا ربما يظهر مما تقدم نقله من كلام أبي الصلاح الحلبي (قدس سره) [١] مبنياً على أن مسّ الآخرين بالضرر ظلم وهو قبيح ولا تؤثر التقية ونحوها في رفع قبحها.
ولكن يلاحظ عليه أن الظلم إنما يكون بسلب حق الغير، فلا بد من أن يثبت للغير حق في رتبة سابقة حتى يكون سلبه ظلماً فيحكم بقبحه. والحقوق إما عقلائية ممضاة من قبل الشارع المقدس، أو أنها مجعولة من قبله تأسيساً، فله التدخل بإسقاط البعض منها في بعض الأحوال رعاية لبعض المصالح المهمة، ومن هنا لا مانع من أن يرخص في إتلاف مال شخص أو الإضرار ببدنه بضرب أو نحوه إنقاذاً لحياة شخص آخر مثلاً، ويكشف ذلك عن إسقاطه لحق الشخص الأول في عين ماله أو سلامة بدنه عندئذٍ، فلا يكون ذلك ظلماً لكي يحكم بقبحه.
وبالجملة: لا سبيل إلى القول بعدم جريان التقية في ما يمس حقوق الآخرين مطلقاً، من جهة أنه ظلم وهو قبيح، ولا يمكن الترخيص فيه عقلاً.
هذا وقد يستدل للقول المذكور بصحيحة محمد بن مسلم [٢] عن أبي جعفر ٧ قال: «إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم، فإذا بلغ الدم فليس تقية» .
ومبنى الاستدلال بها هو كون مفادها أن التقية إنما شُرّعت لحفظ نفس
[١] الكافي في الفقه ص:٢٧٠.
[٢] الكافي ج:٢ ص:٢٢٠.