بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٧٧ - ٤ ـ صحيح زرارة (لا تنقض السُنَّة الفريضة)
الصلاة، بل جريانها في كل مركب من فريضة وسنة، سواء أكان من متعلقات الأحكام كالحج والصيام أو من موضوعاتها كالتذكية، وأيضاً بناءً على أن المراد به هو أن الإخلال بالسنة عن عذر حتى غير النسيان والجهل كالاضطرار ونحوه لا يخل بصحة ما يأتي به المكلف من الفريضة فيصح عمله ويجتزي به، سواء أفاجأه العذر في الأثناء أم علم به من الأول.
فإنه بناءً على هذين الأمرين يمكن أن يقال في المقام: إنه لو سُلّم أن أصل الوقوف بعرفات والمشعر يعدّ من الفرائض، أي مما شرعه الله تعالى في كتابه الكريم، لمكان قوله تعالى: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) ، إلا أن تحديد زمان الوقوفين ووجوب أن يكون الأول في اليوم التاسع والثاني في ليلة العاشر إنما ثبت من خلال السنة، وعلى ذلك فالإخلال بالوقت عن اضطرار من جهة التقية لا يوجب الإخلال بأصل الوقوف.
ولا غرابة في أن يكون أصل الواجب من الفرائض وبعض قيوده من السنن، كالسجود الذي هو من فرائض الصلاة حيث ورد ذكره في القرآن الكريم في حين أن لزوم أن يكون المسجد من الأرض أو مما تنبته الأرض غير مأكول ولا ملبوس إنما هو من السنن النبوية.
وهنا الحال كذلك، أي أن أصل الوقوف في عرفات والمزدلفة من فرائض الحج لورود ذكرهما في القرآن المجيد، وأما لزوم أن يكون ذلك في يوم عرفة وفي ليلة العيد فهو سنة لا غير، فإذا تعذر على الحاج العمل بالسنة للتقية ـ مثلاً ـ لم يوجب ذلك الإخلال بالفريضة، أقصى الأمر أنه يعلم بأنه ليس مطلق العنان في الإتيان بالفريضة ـ وهي الوقوفان ـ في أي وقت يشاء، بل لا بد أن يأتي بهما في الوقت الذي يقف فيه سائر المسلمين إذ لا قائل بغيره، مع أنه مقتضى أصالة الاحتياط في دوران الأمر بين التعيين والتخيير، إلا إذا بني على انعقاد الإطلاق للآية الكريمة من حيث زمان الإتيان بهما، خرج منه المختار وبقي غيره، فليتأمل.
والحاصل: أنه بعد البناء على أن أصل الوقوفين فريضة قرآنية وأما تحديد زمانهما بيوم عرفة وليلة العيد فهو سنّة نبوية، فبالإمكان تصحيح الحج تمسكاً
[١] لاحظ المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج:٦ ص:٣٢٨.