بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٩٩ - هل تشمل السيرة على تقدير تماميتها مورد التقية المداراتية؟
ولكن هل مقصوده (قدس سره) بما ذكره من التقية هو خصوص التقية الاضطرارية حيث يكون المكلف في صورة المخالفة في معرض ضرر معتد به وإن لم يبلغ تلف النفس، أو يقع بسببها في حرج شديد لا يتحمل عادة، أو أن مقصوده هو الأعم من التقية الاضطرارية وما يسمى بالمداراتية التي تكون لمجرد حسن المعاشرة مع المخالفين من دون ترتب أي ضرر يعتدّ به أو حرج بالغ على مخالفتهم؟
يمكن أن يقال: إن ظاهر عبارته (قدس سره) كون مقصوده بالتقية هو التقية الاضطرارية خاصة بقرينة حكمه بحرمة مخالفة مقتضاها وفساد الوقوف عندئذٍ، فإن مخالفة التقية المداراتية غير محرمة ولا توجب بطلان العمل، كما لو اقتضت الصلاة خلف المخالفين فصلى بمعزل عنهم.
ولكن الملاحظ أن التفريق بين نوعي التقية ـ أي الاضطرارية والمداراتية ـ في الحكمين التكليفي والوضعي إن كان له مجال في المقام فإنما هو فيما لو كان قد استفيد حكمه من الأدلة العامة الواردة في التقية، ولكن المفروض أنه مستفاد من دليل آخر وهو السيرة العملية، فلا بد من ملاحظة هل أنها تقتضي الإجزاء في مطلق موارد التقية أو في خصوص التقية الاضطرارية.
وربما يستفاد من بعض كلامه (قدس سره) في شرح المتن [١] أن السيرة تقتضي الإجزاء حتى في موارد وجود المندوحة للمكلف والتمكن من رعاية الموقف الشرعي، حيث أفاد قائلاً: (ودعوى عجزهم وعدم تمكنهم ـ أي الأئمة : وشيعتهم ـ عن ذلك ـ أي عن الوقوف في الموقف الشرعي ـ في جميع تلك السنين لأجل التقية كما ترى، بل غير قابلة للإصغاء. إذ ليت شعري أي مانع كان من رجوعهم إلى الموقف في اليوم اللاحق والوقوف فيه لحظة إما بعنوان طلب الضالة أو البقاء للعبادة في تلك البقعة المقدسة ولو مرة واحدة في تلك المدة المديدة).
فإنه يظهر من هذا الكلام أنه (قدس سره) كان يرى أن الأئمة : وشيعتهم كانوا
[١] مستند الناسك في شرح المناسك ج:٢ ص:١٠٦.