بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٦٠ - وجوب الوقوف بعرفات
ومقتضى الجزئية للماهية هو انتفاؤها بانتفاء ما يكون جزءاً لها أياً كان. ولكن الأدلة الخاصة دلت على التفريق بين واجبات الحج وأن بعضها ليس جزءاً لحج المعذور عن الإتيان به، أو أنه جزء ولكن يمكنه الإتيان به بعد أوان الحج أيضاً. وبعضها ليس جزءاً للماهية ليخل تركه بتحققها، بل لا يخل به وإن كان الترك عن عمد. وكون الوقوف بعرفات من النوع الثاني المتقدم إنما هو من جهة دلالة النصوص على أن فواته عن عذر لا يخل بصحة الحج، وستأتي في محلها.
هذا عندنا، وأما عند فقهاء الجمهور فالوقوف بعرفات من النوع الأول، فقد رووا [١] عن النبي ٦ أنه قال: «الحج عرفة» . ولذلك قالوا [٢] : إن من فاته الوقوف بعرفات حتى طلع الفجر من يوم النحر فاته الحج وتحلل بعمرة. وهذا بخلاف الوقوف بالمزدلفة، فإن معظمهم قالوا: إنه ليس بركن أي لا يفوت الحج بفواته، وقال نادر منهم بأنه مثل الوقوف بعرفات يفوت الحج بفواته أيضاً [٣] .
الأمر الثاني: أن الوقوف بعرفات وإن كان مما لا يخلّ تركه عن عذر بصحة الحج ولكن الظاهر أنه من فرائض الحج، فيختلف بذلك عن فرائض الصلاة التي يخلّ تركها ولو عن عذر بصحتها كما في الركوع والسجود والطهور وغيرها.
والوجه في كون الوقوف بعرفات من الفرائض لا السنن هو أن الفريضة ـ كما تقدم ـ إما هي مطلق ما ورد ذكره في القرآن المجيد مع ثبوت وجوبه ولو بالروايات، أو خصوص ما يستفاد وجوبه من القرآن.
وعلى الأول فمن الواضح أن الوقوف بعرفات من الفرائض لورود ذكره في القرآن المجيد، وأما على الثاني فيبتني ذلك على استفادة وجوبه من الآية الكريمة المتقدمة، ومرّ أنها غير بعيدة.
ولكن هناك بعض الروايات الدالة على كون الوقوف بعرفات سنة، ففي
[١] سنن الترمذي ج:٥ ص:٤١٦.
[٢] المغني ج:٣ ص:٤٢٨، ٥٤٩.
[٣] المغني ج:٣ ص:٤٤١.