أنوار الفقاهة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الحدود) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠١ - الحكم الثاني حرمة لحم البهيمة ولبنها ونسلها
إن قلت: قد مرّ في بحث تعزير الواطي أنّ الروايات منصرفة إلى البالغ المختار العاقل العالم فكيف هنا لا يقولون بالانصراف.
قلنا: إنّ التعزير مجازاة وعقوبة وقد مرّ مراراً أنّ العقوبة ملازمة مع المسؤولية، فإنّه مرتكز في معنى العقوبة أنّ الإنسان يعاقب بما يسئل عنه فيعتبر في موجب العقوبة الشرائط المذكورة وتنصرف الروايات إلى واجدها.
وأمّا تحقيق المسألة: هل يكون تحريم اللحم مجازاة وتعزيراً أو يكون لأثر يحصل فيه من الوطي كالطعام المسموم؟ فإن قلنا: بأنّه مجازاة وتعزير فالحرمة دائرة مدار وجود شرائط التعزير وعدمها، فإن كان الواطي بالغاً عاقلًا عالماً و ... فاللحم حرام، وإلا فلا يحرم اللحم، وإن قلنا بأنّ الحرمة معلول لنفس الوطي فالحرمة دائرة مدار الوطي سواء حصل شرائط التعزير أم لم يحصل.
إنّ ظاهر بعض الروايات أنّه نوع تعزير ومجازات كرواية التي رويت عن الأئمّة الثلاثة ... فقلت: وما ذنب البهيمة؟ فقال: «لا ذنب لها ولكن رسول الله (ص) فعل هذا وأمر به لكيلا يجتري الناس بالبهائم وينقطع النسل»[١].
فإنّ المستفاد من هذه الرواية أنّ الحرمة مع الغرامة إحراق اللحم وعدم الانتفاع به نوع مجازاة وتعزير، وليس من آثار نفس العمل والوطي وحينئذٍ تنحصر الحرمة فيما إذا اجتمع الشرائط. فإنّ وطأه صبيّ أو مجنون أو مكره أو وُطِىَ مشتبهاً فلا يحرم لحمه.
والحاصل: إنّه لا يستفاد من الأدلّة عمومية الحرمة حتّى إذا لم يجتمع شرائط التعزير. هذا مضافاً إلى أصالة الحلّية إلا ما خرج بالدليل فالقدر المتيقّن ما إذا اجتمع شرائط التعزير لا سيّما أنّ التعزير وحرمة اللحم ذكراً في الروايات معاً،
[١]. وسائل الشيعة ٣٥٧: ٢٨، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب نكاح البهائم، الباب ١، الحديث ١.