أنوار الفقاهة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الحدود) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٧ - الفرع الأول ثبوت السرقة
نعم، يمكن تقييد إطلاق الأوّل بما إذا صدّقه السيّد بناءً على جواز إجراء الحدّ عليه حينئذٍ، لأنّ الحقّ لا يتجاوز عنهما، فتدبّر.
وعلى كلّ حال فلا يمكن الركون إلى أمثال هذه الروايات بعد إعراض المشهور عنها وعدم الفتوى بها إلا من قليل- لو ثبت- وإن شئت قلت: مقتضى الأخذ بالمرجّحات الطائفة الاولى لقوله (ع): «خذ بما اشتهر بين أصحابك»، مضافاً إلى مخالفتها لفتاوى أكثر فقهاء العامّة وأئمّتهم، فتأمّل.
هذا، وقد ذكر للروايتين الأخيرتين محامل.
منها: أنّهما ناظرتان إلى الإقرار عند الإمام المعصوم (ع) فإنّ الإنسان يحترز عن الكذب عنده بما لا يحترز عند غيره، فلذا يقطع لو أقرّ عنده بمرّة واحدة.
ومنها: احتمال أن يكون المراد تقييد السرقة بمرّة واحدة، أي: إذا أقرّ بأنّه سرق مرّة واحدة كفى في القطع ولا يحتاج إلى تعدّد السرقة، فالعدد إنّما هو للسرقة لا للإقرار فهو من هذه الجهة.
ومنها: حملها على التقيّة ويؤيّده ما مرّ في رواية أبان بن عثمان من كون اعتقاد الرجل الذي كان من آل عمر كفاية المرّة، وكذا ما عرفت من آراء أئمّتهم الأربعة.
ولكنّ الإنصاف: أنّ بعض هذه المحامل تكلّفات بعيدة، والحقّ وجوب المرّتين لما مرّ من ترجيح أدلّة التعدّد، مضافاً إلى قاعدة درء الحدود بالشبهات.
هذا كلّه بالنسبة إلى إجراء الحدّ، وأمّا المال فيثبت بالمرّة الواحدة ويؤخذ منه لعموم أدلّة الإقرار وعدم قيام دليل على خلافه والتمييز بين الأحكام الظاهرية كثير في الفقه من أبواب الطهارات إلى أحكام الديات كالماء المشكوك كرّيته مع عدم وجود حالة سابقة له لا ينجس بالملاقاة ولا يطهّر الملاقي.