أنوار الفقاهة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الحدود) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٩ - حكم المفسد في الأرض
كالقصاص من القاتل، وإن شئت قلت: ظاهر الآية أنّ الموجب لجواز القتل أحد الأمرين: ارتكاب القتل والإفساد في الأرض، فالإفساد سبب لجواز القتل مستقلًا، ولو لم يقتل أحداً.
إنّما الكلام في أمرين:
أحدهما: أنّ هذا الحكم كان في الامم السالفة لأنّ الآية ناظرة إلى بنىإسرائيل كما يقول صدرها من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل ... فإثبات الحكم بها في الشريعة المقدّسة مشكل إلا أن يتوسّل إلى استصحاب الشرائع السابقة، وهو لا يخلو عن إشكال لما ذكرنا في محلّه من أنّ الاستصحاب الحكمي محلّ منع، لأنّ ظاهر نسخ الشريعة نسخها بجميع أحكامها بحيث يحتاج في ثبوت كلّ حكم منها إلى دليل جديد، ولذا كان المسلمون ينتظرون الوحي الإلهي في كلّ حكم من الأحكام الإسلامية ولم يكونوا يكتفون بثبوت الحكم في الشرائع السابقة مع عدم ثبوت نسخه.
وإن شئت قلت: نسخ الشريعة السابقة ليس بنسخ بعض أحكامه بل بنسخ جميعها وتشريع أحكام جديدة، وإن كان كثير منها موافقاً للشريعة السابقة، قال الله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ فإيجاب الصوم على المسلمين كان تشريعاً جديداً لا استمراراً لوجوب الصيام في الشرائع السابقة، وكذلك سائر العبادات، وهكذا بالنسبة إلى تشريع حرمة الخمر، فقد كان المسلمون ينتظرون حكمها وإن كان موافقاً للشرايع السابقة. والحاصل: أنّ الاستصحاب هنا غير جار.
هذا والذي يسهل الأمر أنّ ذكر هذا الحكم وأشباهه في القرآن بنفسه ظاهر في إمضائه في الشريعة المقدّسة الإسلامية، من غير حاجة إلى الاستصحاب،