أنوار الفقاهة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الحدود) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٣ - شرائط الارتداد
الحدود على الدرء بالشبهة، وقد مرّ غير مرّة أنّ المراد بالشبهة في هذه الأبواب ليس ما لا يبلغ حدّ الحجّية فإنّه غير معتبر في جميع الأبواب، ولا يختصّ بالحدود، مع أنّ ظاهر الروايات الواردة في هذا الباب وفتاوى الأصحاب أنّ للحدود خصوصية من هذه الناحية، فالمراد منه هو عدم الاعتناء بشأن الأدلّة التي بلغت أدنى مراتب الحجّية فهي مقبولة في سائر الأبواب غير مقبولة هنا، لأنّه باب الدماء وما يقرب منها.
نعم، إذا كان لكلامه ظهور قويّ تامّ وادّعى خلافه من دون إقامة قرينة عليه لا يقبل قوله فإنّه ليس من الشبهة قطعاً.
أمّا الغضب فله قسمان: قسم لا يملك معه نفسه فيخرج عن الحال المعتاد المختار، فلا خبرة له بما يفعل وما يقول فيدخل تحت عنوان عدم الاختيار، بل وعدم القصد أحياناً، والعلّة في ذلك أنّ الغضب نار تستر العقل والاختيار وتغلب قلب الإنسان وأعضائه فيكون الغاضب في هذا الحال كالمجنون أو السكران، وقد يحرق نفسه أو داره وبيته وأمواله من دون شعور فإذا كان الغضب من هذا القسم دخل تحت عنوان عدم الاختيار بل وعدم القصد أحياناً.
وإليه يشير ما ورد في بعض الروايات عن علي بن عطيّة عن أبي عبدالله (ع) قال: كنت عنده وسأله رجل عن رجل يجيء منه الشيء على جهة غضب، يؤاخذه الله به؟ فقال: «الله أكرم من أن يستغلق عبده» وفي نسخة «يستقلق عبده»[١].
وجملة «يستغلق» بالغين المعجمة من باب الاستغلاق بمعنى الإجبار، قال في «القاموس»: «استغلمني في بيعه: لم يجعل لي خياراً في ردّه».
[١]. وسائل الشيعة ٢١٨: ٢٨، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب حدّ القذف، الباب ٢٨، الحديث ١.