أنوار الفقاهة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الحدود) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٢ - الفرع الثالث لو تاب أو أنكر بعد قيام البينة
الصدوق في «المقنع» اعتبار أن يظهر منه ما يدلّ على صدق النيّة[١] ومن ابن زهرة ظهور صلاحه[٢]، إلى غير ذلك ولكن أمثاله قليل.
ويؤيّده أو يدلّ عليه قوله تعالى: فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأصْلَحَ فَإنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[٣].
فإن كان المراد من قبول توبته عفوه في الآخرة لم يدلّ على المقصود وإن كان بمعنى قبوله في الدنيا والآخرة كان معناه سقوط الحدّ عنه، ويؤيّد الثاني ما ورد في حدّ المحارب الذي ذكر فيه التوبة بصورة الاستثناء عن الحدّ.
قال الله تعالى: إنّمَا جَزَاءُ الّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَاداً أنْ يُقَتّلُوا أوْ يُصَلّبُوا أوْ تُقَطّعَ أيْدِيهِمْ وَأرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أوْ يُنفَوْا مِنَ الأرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى الدُّنيَا وَلَهُمْ فِى الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ[٤] إلى قوله تعالى: إلا الّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[٥].
ومن البعيد أن يكون الحكم في السرقة والزنا وشرب الخمر أشد من حكم المحارب، فتدبّر جيّداً.
وهنا إشكال يبدو في كثير من الأذهان، وهو أنّه لا شكّ في أنّ مَن يأتي الإمام (ع) ويقرّ عنده ويطلب الحدّ يكون فعله هذا مسبوقاً بالتوبة، فلو لم يكن تائباً إلىالله لم يكن طالباً لإجراء الحدّ حتّى يطهر من ذنوبه فكيف أجرى الحدّ في حقّهم في بعض المقامات كما عرفت في رواية الأسود التي نقلناها عن «المستدرك»[٦].
[١]. المقنع: ٤٣١.
[٢]. سلسلة الينابيع الفقهية ٢٠٧: ٢٣.
[٣]. المائدة( ٥): ٣٩.
[٤]. المائده( ٥): ٣٣.
[٥]. المائده( ٥): ٣٤.
[٦]. مستدرك الوسائل ١٥١: ١٨، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب حدّ السرقة، الباب ٣٣، الحديث ١١.