أنوار الفقاهة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الحدود) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٣ - الأمر الأول في حكم المرتد
الموت فحينذٍ لا تقبل التوبة كما قال الله في قصّة فرعون وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إسْرَائِيلَ البَحْرَ فَأتْبَعَهُمْ فِرعَونَ وَجُنُودَهُ بَغْيَاً وَعَدْوَاً حَتّى إذَا أدْرَكَهُ الغَرِقُ قَالَ آمَنتُ أنّهُ لا إله إلا الذى آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسرَائيلَ وَأنَا مِنَ المُسْلِمِينَ، آلآنَ وَ قَدْ عَصَيتُ قَبْل وَكُنْتُ مِنَ المُفسِدِينَ.[١]
وقال أيضاً: وَ لَيْسَتِ التَوْبَةُ لِلذينَ يَعْمَلُونَ السَّيئات حَتّى إذَا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوتُ قَالَ إنّي تَبْتُ الانَ وَ لا الذينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفّارٌ.[٢]
وقد ورد عنه (ص) في توضيح الآية رواية في «من لا يحضره الفقيه» قال: قال رسول الله (ص) في آخر خطبة خطبها: «من تاب قبل موته بسنة تاب الله عليه، ثمّ قال: إنّ السنّة لكثيرة من تاب قبل موته بشهر تاب الله عليه، ثمّ قال: وإنّ الشهر لكثير من تاب قبل موته بيوم تاب الله عليه، ثمّ قال: وإنّ اليوم لكثير من تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه، ثمّ قال: وإنّ الساعة لكثيرة من تاب قبل موته وقد بلغت نفسه هذه- وأهوى بيده إلى حلقه- تاب الله عليه».[٣]
والحاصل: أنّ أدلّة التوبة مطلقة لا تقيّد بزمان وتقبل إلى حين الموت.
ولا ينافي ما ذكرنا مع قوله تعالى: إنَّ الّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا[٤] فإنّ هذه الكريمة ناظرة إلى أنّه يموت كافراً وإلا- أي إن تاب عن الارتداد قبل موته- فظاهر الآية قبول توبته، وما نحن فيه ليس من مصاديق الآية، لأنّ المرتدّ الفطري تاب عن ارتداده فتشمله عمومات التوبة، بل تؤيّد ما ذكرنا، بل تدلّ عليه
[١]. يونس( ١٠): ٩٠- ٩١.
[٢]. النساء( ٤): ١٨.
[٣]. مجمع البيان ٢٢: ٣.
[٤]. النساء( ٤): ١٣٧.