أنوار الفقاهة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الحدود) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٠ - شرائط الارتداد
والاعتقاد بهما والمجنون ليس من أهل المعرفة فلا يكون مسلماً ولا كافراً إلا تبعاً لوالديه أو للمجتمع الذي يعيش فيه ويكون تابعاً له.
والحاصل: أنّ عدم جريان حكم المرتدّ في حقّه إنّما هو لانتفاء موضوعه فيه فلا نحتاج في نفي هذه الأحكام عنه إلى دليل رفع القلم عن المجنون وأمثال ذلك. وهذا بخلاف نفي حدّ الزنا واللواط وشرب الخمر والسرقة عنه، فإنّ هذه الموضوعات تصدر عنه حقيقتاً، ولكن حكمها وهو الحدّ مرفوع عنه بدليل رفع القلم، بخلاف الارتداد فإنّ نفي حكمه عنه بدليل نفي موضوعه لعدم معرفته بهذه الامور. ولا فرق في ذلك بين المجنون المطبق والأدواري في دور جنونه لوحدة الدليل فيهما، سواء كان الدليل نفي الموضوع أو أدلّة رفع القلم.
وكذا لا شكّ في اعتبار الاختيار فيه، فإنّ المضطرّ لا تكليف له، ويشمله حديث الرفع بالنسبة إلى العذاب الاخروي والدنيوي، ويدلّ عليه بالخصوص قوله تعالى: مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إلا مَنْ اكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئنٌ بِالإيمانِ وَلَكِن مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ[١]، الواردة في قصّة عمّار وأبويه على المشهور فنطق عمّار بما أرادوا منه كرهاً من كلمات الردّة وبخاً ولم ينطق أبواه فقتلا فحسب الناس أنّ عمّاراً ارتدّ من دين الله بهذه الكلمات فنزلت الآية وأخبرهم بأنّ هذا كان عن إكراه ولا أثر له. وهذا هو التقيّة التي نقول بها، وربّما يستنكرها أعدائنا، والحال أنّهم جميعاً قائلون بها من غير أن يسمّونها بالتقيّة بل هو حكم عقلائي في جميع الأقوام والملل.
ويدلّ عليه أيضاً دليل العقل فإنّ الحدود شرّعت للردع عن المنكر، ومن الواضح أنّ ذلك إنّما يتصوّر في حقّ المختار.
[١]. النحل( ١٦): ١٠٦.