أنوار الفقاهة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الحدود) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٢ - إذا صار الملي مجنونا
منه، بل استعمل «الحدّ» هنا في معنى جامع لمعنيين، وهو أنّ الحدّ مطلقاً بجميع شؤونه استقراراً وإجراءً منفيٌ عن المجنون. والإنصاف: أنّ الأخذ بإطلاق الحديث لا يخلو عن وجه، لا سيّما مع عطف النائم عليه، فإنّ الظاهر عدم إجراء الحدّ على النائم كعدم استقراره عليه لأعماله حال النوم.
ومنها: أحاديث رفع القلم عن المجنون مثل ما رواه المفيد (قدس سره) قال: روت العامّة والخاصّة إلى أن قال: «إنّ النبي (ص) قال: رفع القلم عن المجنون حتّى يفيق ...»[١].
وظاهره في بدو النظر وإن كان ناظراً إلى مسألة عدم استقرار الحدّ عليه، أخذاً له بأعماله التي عملها حال جنونه، لكن يمكن القول بعمومه له ولإجراء الحدّ عليه.
توضيحه: إنّ المراد من القلم هو قلم التكليف بما له من الآثار، ومن آثاره العقوبات الدنيوية، فإنّها وضعت حفظاً لكلّ التكاليف فمن خرج عن دائرة التكاليف يخرج عن دائرة العقوبات أيضاً فلا يعاقب على أفعاله.
إن قلت: هذا تامّ صحيح بالنسبة إلى أفعاله الصادرة عنه حين خروجه عن دائرة التكليف، وأمّا الأعمال التي صدرت منه حين كونه مكلّفاً فلا يسقط عنه كالأعمال التي صدرت منه حين كونه عاقلًا ثمّ صار مجنوناً.
قلت: أوّلًا: هذا القول يستلزم اموراً يبعد الالتزام به من أيّ فقيه فلو زنى حال عقله واختياره، ثمّ أغمى عليه إغماءً لا يعود إلى الحياة ولو بعد سنين، مع كونه حيّاً فيه جميع آثار الحياة من ضربان قلبه وحركات تنفّسه بل حركة بعض أعضائه ولكنّه مغمى عليه بإجراء حدّ الزنا- مأة جلدة- عليه في حال نومه وإغمائه؟
[١]. وسائل الشيعة ٢٣: ٢٨، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب مقدّمات الحدود، الباب ٨، الحديث ٢.