أنوار الفقاهة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الحدود) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٨ - حكم المفسد في الأرض
فلنرجع إلى ما يمكن الاستدلال به لهذه القاعدة من آيات الذكر الحكيم والسنّة.
أمّا الكتاب العزيز فغايه ما يمكن الاستدلال به آيتان:
الآية الاولى: ما مرّ من آية المحارب، قال تبارك وتعالى: إنَّمَا جَزَاؤاْ الّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ فإنّه يحتمل فيها تفاسير ثلاثة:
أوّلها: كونه- أي الإفساد في الأرض- قيداً للمحاربة، فالمحاربة بنفسها غير كافية في إقامة الحدّ، بل لا بدّ مع ذلك كونه مفسداً في الأرض، فلو جرّد السلاح لإخافة الناس لم يقم عليه حدّ حتّى يقتل أو يسرق وينهب أموال الناس ويتعرّض لأعراضهم، ولا أظنّ القول به من أحد.
ثانيها: أن يكون الثاني تفسيراً وتوضيحاً للأوّل، بأنّ يقال: تجريد السلاح لإخافة الناس هو بعينه فساد في الأرض، ولو قتل أو نهب أموالًا وهتك أعراضاً كان أشدّ، وهذا أيضاً لا يخلو عن بعد، فإنّ الإفساد في الأرض أعمّ من المحاربة لله ولرسوله بهذا المعنى فجعله تفسيراً له لا يخلو عن مخالفة للظاهر.
ثالثها: أن يكون عنواناً مستقلًا، فالواو هنا لمطلق الجمع، مثل أن يقال: إنّما جزاء الزاني المحصن، والمرتدّ واللاطي والساحر القتل، ومعناه أنّ كلّ واحد من هذه العناوين كاف في إجراء هذا الحكم عليه.
وهذا المعنى أقرب المعاني للآية وإن كان قابلًا للبحث.
الآية الثانية: قوله تعالى: مِنْ أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِى إسْرَائِيلَ أنّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسَادٍ فِى الأرضِ فَكَأنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً[١].
فإنّ مفهمومها أنّه لو قتل المفسد في الأرض لم يكن عليه ذنب، فهو
[١]. المائدة( ٥): ٣٢.