أنوار الفقاهة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الحدود) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٢ - القول في اللواحق
ويظهر منه أيضاً كون المسألة إجماعية بين الأصحاب.
وقال ابن قدامة في «المغني»: «لا يقطع وإن اعترف أو قامت بيّنة حتّى يأتي مالك المسروق ويدعيه وبهذا قال أبو حنيفه والشافعي، ثمّ حكى عن أبي بكر ومالك وأبي ثور وجوب القطع وعدم الحاجة إلى دعوى ولا مطالبة»[١].
ومن المعلوم أنّ مقتضى الأصل هنا- أعني العمومات والإطلاقات- عدم اعتبار هذا الشرط، إلا أن يثبت بدليل معتبر.
واستدلّ للقول باعتباره مضافاً إلى الإجماع بأمرين:
١- أنّه من قبيل حقّ الناس وحقّ الناس يحتاج إلى المطالبة، وقد استند إلى هذا الدليل بعض فقهاء الخاصّة والعامّة، ولكن يرد عليه أنّ حدّ السرقة ليس من قبيل حقّ الناس فقط، بل فيه حقّ إلهي وحقّ آدمي، ولذا لا يمكن إسقاطه في جميع المراحل كما إذا أراد صاحب المال إسقاطه بعد وصوله إلى الحاكم الشرعي، كما سيأتي إن شاء الله، مع أنّ حدّ القذف أو القصاص الذي من حقوق الناس الخالصة يجوز إسقاطه في جميع المراحل. وبعبارة اخرى، إذا كان فيه وجهان: وجه إلهي، ووجه إنساني فعدم القطع من الناحية الاولى لا ينافي القطع من الناحية الثانية، كما هو كذلك في العفو بعد المرافعة إلى القاضي.
٢- أنّ المال قد يباح بالبذل والإباحة، فيحتمل أنّ مالكه أباحه له أو وقفه على المسلمين أو على جماعة يكون السارق من تلك الطائفة أو إذن له في دخول حرزه فاعتبرت المطالبة لتزول الشبهة؛ ذكره ابن قدامة في «المغني» وأشار إليه بعض أصحابنا أيضاً كالشهيد الثاني (قدس سره) في «المسالك».
وفيه: أنّ هذا خروج عن محلّ الكلام، فإن المفروض هو العلم بكون السرقة
[١]. المغني، ابن قدامة ٢٩٩: ١٠.