أنوار الفقاهة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الحدود) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٧ - المراد من الفساد في الأرض
قال الراغب في «المفردات»: «وجعلت الفتنة كالبلاء في أنّهما يستعملان فيما يدفع إليه الإنسان من شدّة ورخاء وهما في الشدّة أظهر معنى وأكثر استعمالًا ... و قال في الشدّة: إنّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ والفتنة أشَدّ مِنَ القَتْلِ وَقَاتِلُوهُمْ حَتّى لَاتَكُونُ فِتْنَةٌ» ثمّ ذكر آيات كثيرة فسّرت الفتنة فيها بالبليّة والعذاب والشدّة، والظاهر: أنّ استعمالها بمعنى الاختبار إنّما هو بسبب أنّ الاختبار يكون في الشدائد غالباً».[١]
ومن الواضح أنّ الفساد في الأرض من مصاديق الفتنة بهذا المعنى فإذا كانت الفتنة أشدّ من القتل أو أكبر من القتل كان الفساد في الأرض كذلك، حينئذٍ لا يبعد جريان حكم القتل فيه في الجملة.
المراد من الفساد في الأرض
بقي الكلام في المراد بالفساد في الأرض، وأنّ المعيار فيه ماذا؟ فهل يشمل إيجاد كلّ مفسدة، وهل يجوز إجراء حدود المحاربين في جميع موارده أم لا؟
قد عرفت أنّ المدار في جميع الموضوعات هو ما ورد في لسان أدلّة الموضوعات العرفية أو الشرعية.
فلو كان الدليل هنا هو آية المحاربة وقوله تعالى: وَيَسْعَوْنَ فِى الأرضِ فَسَاداً كان المعيار هو السعي في الفساد في الأرض كما أنّ ظاهر الآية التي قبلها و هي قوله تعالى: مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسَادٍ فِي الأرْض كون المدار عنوان الفساد في الأرض، وظاهر هذا التعبير مع ملاحظة قوله تعالى: فِي الأرْض إيجاد الفساد في منطقة كبيرة أو صغيرة بتكرار العمل أو بسعته، بحيث
[١]. مفردات ألفاظ القرآن: ٣٨٥- ٣٨٦.