أنوار الفقاهة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الحدود) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٦ - الفرع الرابع لو تاب بعد الإقرار
الإمام- ولا معنى للعفو قبل ثبوتها- والحدود التي تكون للناس فيمكن لغير الإمام العفو عنه، والمراد من غير الإمام هو صاحب الحقّ كالمقذوف وشبهه.
والظاهر صحّة إسناد هذا الحديث وقد رواه المحمّدون الثلاثة في كتبهم، والقدر المتيقن منه، بعد عدم كونه في مقام البيان من جميع الجهات هو موارد التوبة بعد الإقرار كما لا يخفى على الخبير، وأمّا البيّنة فليس للإمام العفو عنه بعد قيامها.
فهذه الروايات الثلاث بعد صحّة إسناد بعضها وتعاضد بعضها ببعض وعمل الأصحاب بها واستنادهم إليها كافية في إثبات المطلوب، وعدم تعرضهم للمسألة في أبواب السرقة أحياناً لا يدلّ على عدم فتواهم به هناك، ومن هنا يظهر أن تحتمّ الحدّ الذي اختاره في المتن في غير محلّه، مضافاً إلى كون المقام من أوضح موارد قاعدة الدرء.
نعم، ليس فيها ذكر من التوبة إلا قوله: «إنّما تطوّع بالإقرار من نفسه» ولكنّ الإمام إنّما يحكم بحسب حالات المجرمين ولو أنّ رجلًا كان مصراً على ذنبه وعصيانه فعفوه من قبل الإمام بعيد جدّاً، فتأمّل.
بقي هنا شيء:
وهو أنّه قد يتوهّم أن صحيحتي الحلبي ومحمّد بن مسلم اللتين مرّ ذكرهما في الفرع الأوّل تعارضان ما ذكرنا من روايات هذا الباب فإنّ ظاهرهما وجوب القطع في الإنكار بعد الإقرار بالسرقة.
ولكنّ الجواب عنه ظاهر، أمّا أوّلًا: بأنّ المقام هو التوبة بعد الإقرار لا الإنكار بعده والفرق بينها واضح، وثانياً: أنّ وجوب القطع لا ينافي مسألة العفو فإنّه حاكم عليه. وإن شئت قلت: إنّه مثل وجوب الدية على الجاني فإنّه لا ينافي عفو المجنيّ عليه أو أرباب الدم وكذلك سائر الحقوق والحدود.